ديناميكا الاستناد المطلق: اسم الله القيوم وعلاج قلق الفناء والاضطراب الوجودي

مقدمة: البحث عن الركيزة التي لا تميد

في عالمٍ يتسمُ بالتغيرِ المتسارعِ والسيولةِ المطلقة، يجدُ الإنسانُ نفسَه محاصراً بشعورٍ عميقٍ بالهشاشةِ والضعف. إنَّ الركائزَ الماديةَ التي نعتمدُ عليها—سواء كانت مالاً، أو جاهاً، أو حتى صحةً جسدية—تخضعُ لقانونِ الفناءِ والزوال، مما يُولدُ في أعماقِ الوعيِ البشري ما يسمى بـ “قلق الفناء”. هذا القلقُ ليس مجردَ خوفٍ من الموت، بل هو اضطرابٌ وجودي ينبعُ من الشعورِ بعدمِ كفايةِ الذاتِ للاستقلالِ بنفسِها. من هنا، تبرزُ الحاجةُ إلى مفهوم “الاستنادِ الـمُطلق”، وهو الركونُ إلى قوةٍ تتجاوزُ حدودَ المادةِ والزمن، وهو ما يتجسدُ في أعظمِ تجلياتِ الأسماءِ الحسنى: اسمُ اللهِ (القَيُّوم).

أولاً: فقهُ القَيُّوميَّةِ.. القائمُ بذاتِه والـمُقِيمُ لغيرِه

اسمُ اللهِ (القيوم) ليس مجردَ صفةٍ خبرية، بل هو قطبُ الرحى في فهمِ علاقةِ الخالقِ بالمخلوق. لغوياً، “القيوم” صيغةُ مبالغةٍ من “القيام”، وهو الذي قامَ بنفسِه فلا يحتاجُ إلى أحد، وقامَ به كلُّ موجودٍ فلا يستغني عنه أحد. يقولُ اللهُ تعالى في أعظمِ آيةٍ في كتابِه: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة: 255].

إنَّ اقترانَ اسمِ (الحي) بـ (القيوم) يعطينا الصورةَ الكاملةَ للكمالِ الإلهي؛ فالحياةُ كمالُ الذات، والقيوميةُ كمالُ الصفاتِ والأفعال. القيومُ هو الذي يمسكُ السمواتِ والأرضَ أن تزولا، وهو الذي يدبّرُ أمرَ الخليةِ الصغيرةِ والمجرةِ العظيمةِ بالدقةِ نفسِها. في ظلالِ هذه القَيُّوميَّةِ، ندركُ أنَّ الوجودَ ليس عبارةً عن آلةٍ صمَّاء تعملُ ذاتياً، بل هو استنادٌ مستمرٌّ لحظةً بلحظةٍ إلى مشيئةِ اللهِ وإمدادِه.

ثانياً: فيزياءُ الاستنادِ المطلق.. كسرُ قانونِ الهشاشة

إذا نظرنا إلى الوجودِ بمنظارِ “فيزياءِ الروح”، سنجدُ أنَّ كلَّ كائنٍ هو في حالةِ فقرٍ ذاتي. فالإنسانُ لا يملكُ لنفسِه نفعاً ولا ضراً إلا بالله. الاستنادُ المطلق هو العمليةُ التي يتمُّ فيها تحويلُ هذا الفقرِ الذاتي إلى غنىً بالله، وذلك عبرَ الارتباطِ بـ “القيوم”.

  • التفويض: هو أولُ مراتبِ الاستناد، حيثُ يدركُ العبدُ أنَّ قواه المحدودةَ لا تصمدُ أمامَ تقلباتِ القدر، فيُسندُ ظهره إلى قيوميةِ الله.
  • الافتقار: وهو إدراكُ أنَّ استمراريةَ الوجودِ مشروطةٌ بالإمدادِ الإلهي (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر: 15].
  • الثبات: عندما يستندُ الفاني إلى الباقي، يكتسبُ من فيضِ ثباتِه صموداً نفسياً لا يتزعزعُ أمامَ الأزمات.

ثالثاً: تفكيكُ قلقِ الفناءِ عبرَ الركونِ إلى الحيِّ القيوم

يُعرفُ علمُ النفسِ الوجودي “قلق الفناء” بأنه الرهبةُ من عدمِ الوجود. هذا القلقُ يذوبُ تماماً في رحابِ اسمِ اللهِ القيوم. لماذا؟ لأنَّ المؤمنَ بالقيومِ يوقنُ أنَّ وجودَه ليس عبثاً، وأنَّ الذي أقامَه من العدمِ هو كفيلٌ بحفظِ جوهرِه وكيانِه. إنَّ الاستنادَ إلى القيومِ يمنحُ النفسَ “الأمنَ الوجودي”؛ فالموتُ في المنظورِ الإسلامي ليس فناءً، بل هو انتقالٌ من قيوميةِ الدنيا إلى قيوميةِ الآخرة، تحت رعايةِ الربِّ الذي لا تأخذُه سنةٌ ولا نوم.

كانَ النبيُّ ﷺ يعالجُ اضطراباتِ النفسِ بهذا الاسمِ العظيم، فكانَ من دعائِه في الكرب: “يا حيُّ يا قيومُ برحمتِك أستغيث، أصلِح لي شأني كلَّه، ولا تَكِلني إلى نفسي طَرفةَ عين” (رواه الترمذي وصححه الألباني). هذا الحديثُ هو المانيفستو العمليُّ لديناميكا الاستناد؛ فقمةُ الشقاءِ هي أن يُوكَلَ الإنسانُ إلى نفسِه الضعيفةِ المحدودة، وقمةُ السعادةِ هي أن يُوكَلَ إلى قيوميةِ اللهِ التي لا تضلُّ ولا تنسى.

رابعاً: الثباتُ الوجودي وتجلياتُ القيوميةِ في الحياةِ اليومية

كيفَ نعيشُ اسمَ اللهِ القيومَ واقعاً ملموساً؟ إنَّ تحقيقَ الثباتِ الوجُودي يتطلبُ ممارسةً ذهنيةً وروحيةً مستمرة:

1. التحررُ من عبوديةِ الأسباب: نحنُ نأخذُ بالأسبابِ لأنَّ اللهَ أمرنا بذلك، لكننا لا نستندُ إليها. فالطبيبُ سببٌ، لكنَّ الشافيَ هو القيوم. والمالُ سببٌ، لكنَّ الرزاقَ هو القيوم. هذا التمييزُ يمنعُ انهيارنا النفسيَّ عند فقدانِ الأسباب.

2. السكينةُ في عينِ العاصفة: عندما تضطربُ الأمورُ من حولِك، تذكرْ أنَّ (قَيُّومَ السمواتِ والأرض) هو الذي يدبّرُ المشهد. هذا اليقينُ يُنزلُ السكينةَ (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) [الفتح: 4].

3. الاستقامة: إنَّ الذي يستندُ إلى القيومِ يجدُ في نفسِه قوةً على الاستقامةِ على الحق، لأنَّه لا يخشى فواتَ مصلحةٍ أو وقوعَ مفسدةٍ ما دامَ القائمُ على كلِّ نفسٍ بما كسبت هو مَلجؤُه ومَلاذُه.

خامساً: أثرُ الاستنادِ المطلقِ في تفكيكِ الأزماتِ المعاصرة

تعاني البشريةُ اليومَ من تضخمِ “الأنا” (Ego)، حيثُ يُظنُّ أنَّ الإنسانَ هو سيدُ مصيرِه المطلق. هذا التصورُ أدى إلى انفجارِ حالاتِ الاكتئابِ والاحتراقِ النفسي. العودةُ إلى ديناميكا الاستناد تعني التواضعَ المعرفيَّ والوجودي؛ أن تعترفَ بحدودِك البشريةِ وتتركَ القيادةَ للقيوم. إنَّ وضعَ الأحمالِ والهمومِ بين يديِ القيومِ في صلاةِ الليل، أو في سجدةٍ خاشعة، يُعيدُ برمجةَ الجهازِ العصبي ليتحولَ من حالةِ “المواجهةِ أو الهروب” (Fight or Flight) إلى حالةِ “الطمأنينةِ والرضا”.

خاتمة: من الانهيارِ إلى الانبثاق

إنَّ دراسةَ فيزياءِ القَيُّوميَّةِ تقودنا إلى حقيقةٍ واحدة: لا ثباتَ في هذا الكونِ إلا بالاستنادِ إلى الله. إنَّ كلَّ محاولةٍ للبحثِ عن الاستقرارِ بعيداً عن كنفِ (القيوم) هي محاولةٌ للبناءِ على الرمالِ المتحركة. فإذا أرادَ الإنسانُ أن يتخلصَ من قلقِ الفناء، وأن يحققَ ثباتاً وجودياً يتحدى عواديَ الزمن، فعليه أن يجددَ في كلِّ لحظةٍ عهدَ الاستنادِ المطلق، قائلاً بلسانِ حالِه وقالبِه: (حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [التوبة: 129].

ختاماً، إنَّ اسمَ اللهِ القيوم هو الملاذُ الأخيرُ والمنطلقُ الأول. هو الذي يمنحُ الأشياءَ معناها، ويمنحُ الأرواحَ قوامَها. فكُن مع القيوم، يكنِ الوجودُ كلُّه سنداً لك، ولن تجدَ لفنائِك أثراً في ظلِ بقائِه، ولن تجدَ لضعفِك ذكراً في ظلِ قوتِه وقوامتِه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *