ذاكرة الرخام: فنانو غزة يخلدون أسماء الشهداء في مواجهة النسيان
في ظل الحرب المستعرة على قطاع غزة، لم يعد الرخام مجرد مادة لتزيين واجهات المنازل أو زخرفة المساجد، بل استحال إلى "وثيقة بقاء" تحمل أسماء الذين رحلوا. أمام منزله القريب من المقبرة، يقف الفنان محمد ياسين ليحيل كتل الرخام الصامتة إلى شواهد حية تقاوم النسيان وتخلد تضحيات الشهداء.
من صناعة الجمال إلى توثيق الألم
قبل الحرب، كان ياسين يكرس موهبته في فنون "الملتيميديا" والدعاية والإعلان، ونقش الرخام لغايات جمالية بحتة، مثل تزيين بيوت العائلات العريقة ورسم الجداريات. ومع تصاعد وتيرة العدوان، تدمّر محله الذي كان مصدر رزقه الوحيد، لكن الحاجة الإنسانية والوطنية دفعته لاستئناف العمل من زاوية صغيرة أمام منزله.
تغيرت وظيفة أدواته تماماً؛ فبدلاً من نحت عبارات الترحيب، أصبح دوره يتركز على صناعة شواهد قبور شهداء غزة، ليكون صلة الوصل بين الأحياء وذاكرة الراحلين، خاصة في ظل المقابر الجماعية وضيق المساحات التي جعلت التعرف على القبور أمراً بالغ الصعوبة.
تحديات تقنية وتكاليف باهظة في زمن الحرب
لم يكن استمرار هذه المهنة سهلاً، حيث يواجه الفنانون تحديات لوجستية ومادية قاسية، أبرزها:
- نقص المواد الخام: تحول الحفر من الماكينات الحديثة (بسبب انقطاع الكهرباء) إلى الحفر اليدوي باستخدام مواد كيميائية خطرة مثل "الأسيد".
- الارتفاع الجنوني للأسعار:
- سعر متر الرخام قفز من 50 شيكلاً إلى 400 شيكل.
- لتر "مياه النار" (الأسيد) ارتفع من 10 شواكل إلى 170 شيكلاً.
- لتر الدهان زاد سعره من 60 شيكلاً إلى 250 شيكلاً.
- التكلفة النهائية: أصبح سعر الشاهد الواحد يصل إلى 400 شيكل (حوالي 129 دولاراً)، بعد أن كان لا يتجاوز 100 شيكل قبل الحرب.
الفن كأمانة ومسؤولية وجدانية
في جانب آخر من المشهد، يرى الفنان صلاح الطهراوي أن عمله في نقش الشواهد تجاوز حدود المهنة ليصبح "أمانة وطنية". داخل مطبعته المتواضعة، ينهمك الطهراوي في تصميم وحفر الأسماء بصمت ينسجم مع جلال الموقف، مؤكداً أن كل اسم ينقشه يترك أثراً في وجدانه، وكأنه يكتب قصة حلم لم يكتمل.
قصص ترويها القبور: شاهد واحد لجسدين
تتجلى قسوة الواقع في قصة عائلة جويفل التي اضطرت لدفن أفرادها في قبر واحد وصناعة شاهد مشترك. وكذلك قصة أم سامر، التي لم تجد مكاناً لدفن ابنها الشهيد إلا في قبر والده الراحل، لتطلب صنع شاهد يجمع الاسمين معاً، في إشارة مؤلمة إلى كيف جمع الموت ما فرقته سنوات الحياة.
الرؤية الفنية: الفن في خدمة الذاكرة
يؤكد الأكاديمي والفنان مروان نصار، أستاذ الفنون الجميلة بجامعة الأقصى، أن هذا التحول يمثل نقلة عميقة في وظيفة الفن. فالفنان هنا لم يعد صانع زخرفة، بل أصبح "حارساً للذاكرة".
إن أهمية شواهد قبور شهداء غزة تكمن في كونها:
- وثائق بصرية: تحفظ الأسماء والتواريخ من الضياع.
- رموز صمود: تعكس إصرار الفلسطينيين على تكريم موتاهم رغم القصف والدمار.
- رسالة للأجيال: تضمن بقاء الرواية الفلسطينية حية في وجه محاولات الطمس.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً