# ذو القرنين: النموذج الأسمى للقيادة الراشدة والعدالة الإلهية
تعد قصة ذو القرنين التي خلدها القرآن الكريم في سورة الكهف، نبراساً يضيء دروب الحكام والقادة عبر العصور. إنها ليست مجرد سرد تاريخي لملك طاف الأرض شرقاً وغرباً، بل هي بيان لمنهجية متكاملة في الحكم، ودستور أخلاقي يضبط علاقة الراعي بالرعية، ويؤسس لمفاهيم العدل التي لا تتبدل بتبدل الأزمان. إن المتأمل في مسيرة هذا العبد الصالح يجد نفسه أمام مدرسة في القيادة، حيث يجتمع التمكين المادي مع التقوى القلبية، والقوة العسكرية مع الرحمة الإنسانية.
المنهجية الربانية في سياسة الرعية
إن المنهجية التي سار عليها ذو القرنين كحاكم مؤمن مكن الله له في الأرض، جعلته يلتزم بمعاني العدل المطلق في كل أحواله وسكناته. لم يكن ملكه ملكاً قائماً على البطش أو السيطرة المجردة، بل كان حكماً مستمداً من نور الوحي ومراقبة الخالق عز وجل. ولذلك سار في الناس والأمم والشعوب التي حكمها سيرة العدل، فلم يعامل الأقوام التي تغلب عليها في حروبه بالظلم والجور والتعسف، ولم يغره بريق السلطة ليمارس التجبر والطغيان.
لقد تجلى هذا المنهج الرباني في أسمى صوره حين بينت الآيات القرآنية الطريقة التي أدار بها شؤون البلاد المفتوحة، حيث يقول الله تعالى على لسان ذي القرنين: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف: 87 ـ 88]. إن هذه الكلمات ليست مجرد وعيد ووعد، بل هي ركائز الدولة الفاضلة التي تقوم على التمييز الدقيق بين المفسد والمصلح.
فلسفة التفريق بين المحسن والمسيء
يدل هذا المنهج الذي سار عليه ذو القرنين على إيمان عميق وتقوى بالغة، كما يكشف عن فطنة سياسية وذكاء اجتماعي منقطع النظير. فقد أدرك بفراسته أن الناس الذين فتح بلادهم ليسوا على مستوى واحد من الأخلاق أو المعتقدات؛ فمنهم المؤمن ومنهم الكافر، ومنهم الصالح الذي يسعى للبناء، ومنهم الطالح الذي ينشر الفساد.
ومن هنا، انطلقت فلسفة الحكم لديه من مبدأ عدم المساواة بين المتناقضات؛ إذ كيف يستوي من يبني مع من يهدم؟ وكيف يعامل من يتقي الله كمن يجاهر بالمعاصي والظلم؟ إن المساواة في هذه الحالة تعد عيناً للظلم. لذا، وضع ذو القرنين ميزاناً دقيقاً:
1. الظالم الكافر: ينال جزاءه الرادع في الدنيا ليكون عبرة لغيره، ثم ينتظره عذاب أشد عند خالقه.
2. المؤمن الصالح: يجد الإكرام والتقدير والتيسير في المعاملة، ليكون ذلك حافزاً له ولغيره على الاستمرار في طريق الصلاح.
عقوبة الظالم: عدل دنيوي ووعيد أخروي
لقد أعلن ذو القرنين صراحة أن الظالم والباغي في دستوره معذب مرتين؛ المرة الأولى في الدنيا على يد السلطة العادلة التي لا تأخذها في الحق لومة لائم، والمرة الثانية يوم القيامة حين يلقى ربه فيعذبه عذاباً نكراً. إن هذا التلازم بين العقوبة الدنيوية والأخروية يهدف إلى تطهير المجتمع من بذور الفساد، وتحقيق الردع العام الذي يحفظ دماء الناس وأعراضهم وأموالهم.
إن العقوبة في منهج ذي القرنين ليست تشفياً ولا انتقاماً شخصياً، بل هي ضرورة لاستقامة الحياة. فالله تعالى أوجب العقوبة الدنيوية على من ارتكب الفساد، وكلف أهل الإيمان ممن مكن لهم في الأرض أن يحرصوا على تنفيذ هذه العقوبات بعدل، لأن التهاون مع الظالم هو ظلم للمظلوم، وترك المفسد يعبث في المجتمع هو خيانة للأمانة التي حملها القائد.
إكرام الصالحين: صناعة بيئة الإبداع
على الجانب الآخر من ميزان العدالة، نجد الاحتفاء بالمؤمن الصالح. ففي دستور ذو القرنين، لا يكتفي الحاكم بكف الأذى عن الصالحين، بل يتقربون منه، ويجزيهم الجزاء الحسن، ويكافئهم المكافأة الطيبة.
إن قوله: {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} تعكس رقياً في التعامل القيادي؛ فهي تدل على:
- الخطاب اللين: الذي يبعث الطمأنينة في نفوس المصلحين.
- التيسير الإداري: إزالة العقبات أمام أهل الخير ليزيدوا من عطائهم.
- المودة والإشراق: بناء علاقة قائمة على الاحترام المتبادل بين القائد والنابغين من شعبه.
- توسيع دوائر الخير: عبر تشجيع كل مبادرة إيجابية وتقدير صانعيها.
- تضييق حلقات الشر: من خلال الحزم في مواجهة الانحراف والضرب على يد المسيء.
- بناء الحوافز: جعل “الحسنى” هدية للمحسن ليزداد في إحسانه.
حين يجد المحسن في المجتمع جزاء إحسانه تكريماً وعوناً، تنفجر طاقات الخير لديه، ويصبح العمل الصالح ثقافة عامة يتنافس فيها الناس، مما يؤدي في النهاية إلى نهضة شاملة في كافة مجالات الحياة.
ميزان الحكم وأثره على استقرار الدول
يقدم ذو القرنين لكل مسؤول أو حاكم أو قائد منهجاً أساسياً وطريقة عملية لتربية الشعوب على الاستقامة. إن استقرار الدول وبقاءها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بسلامة هذا الميزان. فالحاكم الصالح هو من يجعل الكرامة والسيادة لأهل الفضل، والإهانة والجفوة لأهل البغي.
ولكن، ماذا يحدث حين يضطرب هذا الميزان؟
عندما تنقلب الآية، فيصبح المعتدون المفسدون مقربين من مراكز القرار، ويُقدمون في الدولة على حساب الكفاءات وأهل التقوى، وعندما يُنبذ العاملون الصالحون أو يحاربون، فعندئذ تتحول السلطة من أداة للإصلاح إلى سوط عذاب، وتتحول الدولة من نظام محكم إلى فوضى عارمة. إن التاريخ يخبرنا أن سقوط الحضارات يبدأ دائماً بخلل في ميزان الثواب والعقاب، وبتقديم “الأرذال” على “الأفاضل”.
التربية القيادية بالقدوة والعمل
إن القيادة الراشدة التي جسدها ذو القرنين هي قيادة تربوية بالدرجة الأولى. فهي لا تكتفي بإصدار القوانين، بل تعمل على:
هذه التربية العملية هي التي تصنع الشعوب العظيمة، وهي التي تجعل الفرد يشعر بأن قيمته في مجتمعه مستمدة من مقدار ما يقدمه من خير وعمل صالح، وليس من وساطة أو قرابة أو مال غير مشروع.
خاتمة: دروس مستفادة لكل قائد
إن قصة ذو القرنين تضعنا أمام حقيقة كبرى؛ وهي أن التمكين في الأرض ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق العبودية الكاملة لله تعالى من خلال إقامة العدل. إن القائد الناجح هو الذي يتطلع دائماً إلى مقامات الإحسان، ويجعل من سلطته وسيلة لنشر الرحمة والأمان.
فلنتأمل في هذا الدستور القرآني، ولنعلم أن استقامة حياتنا، وصلاح مجتمعاتنا، وقوة دولنا، كلها رهينة بالسير على هذا النهج الذي يوازن بين الرحمة والحزم، وبين الثواب والعقاب. إنها دعوة لكل من تولى مسؤولية، صغرت أم كبرت، أن يتقي الله في رعيته، وأن يجعل من ميزان ذو القرنين قدوة له، ليفوز برضا الله في الآخرة، وبحب الناس وذكرهم الحسن في الدنيا.

اترك تعليقاً