رابطة الأخوة والصداقة: لماذا يظل الأخ هو السند الأبقى؟

# من غلا في الصّديق وفرّط في الأخ فهو مغبون: تأملات في عمق الروابط الإنسانية

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. إن أصدق الروابط ما كان لله وفي الله، وإن أعظم الوشائج ما فطر الله عليها القلوب وجعلها ميثاقاً غليظاً لا ينفصم. نتحدث اليوم عن قضية تمس شغاف القلوب، وتلامس واقع الكثيرين الذين تاهوا في دروب الحياة، فظنوا السراب ماءً، وقدموا الغريب على القريب، حتى استفاقوا على حقيقة كبرى: أن رابطة الأخوة هي الحصن الحصين الذي لا يُهدم، وأن ما سواها من علاقات قد تذروه الرياح عند أول عاصفة.

سر الرباط الإلهي في نفوس الإخوة

لقد جعل الله سبحانه وتعالى في نفوس الإخوة في النسب، من أهل الإسلام، رابطةً ربانيةً عجيبة، لا تقبل القطيعة النهائية مهما بلغت حدة الظروف، ومهما ساءت الأحوال أو تعقدت المسائل. إنها علقة الدم والدين التي تجري في العروق، وهي وديعة الله في القلوب. هذه الرابطة، وإن غابت عن وعي بعض الإخوة في لحظات الغضب أو النزاع، إلا أنها تظل كامنة في الأعماق، تنتظر لحظة انبعاث لتعلن عن وجودها القوي.

إننا نرى في واقعنا صوراً شتى لهذا الانبعاث؛ فكم من أخ قاطع أخاه لسنوات، وأظهر له من البغض ما يظن معه الرائي أن لا عودة أبداً، ولكن ما إن يحل ظرف قاهر، كمرض عضال أو فجيعة موت، حتى تنهار جدران الجفاء، وتنفجر ينابيع الحنين. فكم من نادم وقف على قبر أخيه يبكي شوقاً، ويتحسر على أيام القطيعة، ويتمنى لو تعود به الأيام ليقبل رأس أخيه ويطلب منه الصفح. إن هذا الندم المتأخر هو دليل قاطع على أن رابطة الأخوة ليست مجرد اختيار اجتماعي، بل هي قدر إلهي لا يمكن الفكاك منه.

الصداقة: العلاقة الطارئة وتقلبات الأحوال

على الطرف الآخر، نجد الصداقة، وهي في جوهرها علاقة طارئة، تنشأ بظروف وتنمو بمحفزات، لكنها تفتقر غالباً إلى ذلك العمق الفطري الذي تمتلكه الأخوة. الصداقة تقوى وتزدهر مع استقامة الحال، وسلامة الخاطر، ودوام المصلحة المشتركة. هي علاقة تتغذى على الأوقات الجميلة والمنافع المتبادلة، لكنها -في كثير من الأحيان- تضعف أو تنقطع مع أدنى مكدّر، أو عند تغير الخواطر، أو بمجرد انتهاء المصلحة التي كانت تجمع الطرفين.

إن الصديق، مهما بلغ من الود، يظل بشراً تحكمه أمزجته وتؤثر فيه الظروف المحيطة. فإذا ما واجهت العلاقة اختباراً حقيقياً في الصبر أو التضحية، قد تجد الصديق يتوارى خلف أعذار واهية، أو ينسحب بهدوء لأن العلاقة أصبحت “عبئاً” عليه. وهذا ليس قدحاً في مفهوم الصداقة الصادقة، بل هو توصيف للأغلب الأعم من علاقات البشر التي لا تستند إلى ميثاق الدم والرحم.

تجربة ثلاثة عقود: البحث عن الصديق الوفي

لقد كنتُ في السابق، مثل كثير من الشباب، تستهويني فكرة الصداقة المطلقة. كانت تربطني صداقات حميمة مع أصدقاء كُثر، ودامت تلك العلاقات لأعوام، بل وبعضها امتد لعقود من الزمن، حتى خيّل إليّ في لحظات الاندفاع العاطفي أنها روابط لن تنقطع أبداً. بل وصل بي الحال إلى الاعتقاد الخاطئ بأن علاقتي مع هؤلاء الأصدقاء أعظم وأمتن من علاقتي مع إخوتي الذين شاركوني البيت والمنشأ.

ولكن، مع مرور الأيام وتتابع السنين، بدأت الحقائق تتكشف. لقد أمضيت خلال ثلاثة عقود من عمري أبحث عن ذلك الصديق الذي أستطيع أن أقول عنه بملء فيّ: “هذا صديق وفيّ، آمن جانبه، وتدوم مودّته في المنشط والمكره”، فكدت أعجز عن إيجاد هذا النموذج المثالي. كنت كلما ارتبطت بصديق جديد، ونمّيت العلاقة معه بالرعاية والاهتمام، قلت في نفسي بتفاؤل: “هذا هو الصديق الذي أبحث عنه”. ولكن، بعد طول الصحبة، وكثرة الخلطة، يبدأ الفتور بالتسلل، وتظهر علامات الملل، وتبدأ الرغبة في تقليص روابط الصداقة تلوح في الأفق.

لغز الانقطاع المفاجئ في الصداقات

والعجيب في أمر الصداقات أن هذا الضعف أو الانقطاع قد يحدث دون سبب واضح أو مبرر منطقي. قد تجد صديقاً كان بالأمس لا يفارقك، واليوم يتجنب الاتصال بك أو اللقاء معك. وإذا حاولت بشجاعة أن تطلب منه كشف السبب، فغالبًا ما يتهرب أو لا يجرؤ على البوح؛ لأن السبب في الغالب يكون تافهاً لا يستحق الذكر، أو قد لا يكون هناك سبب حسيّ واضح على الإطلاق، بل هو مجرد سبب نفسي فاضح، يتمثل في الملل من العلاقة أو الرغبة في التجديد، وهو ما لا يحدث أبداً مع الأخ.

إن كثرة المجالسة والخلطة في الصداقة غالباً ما تؤدي إلى الملالة، وتُضعف الرابطة ولو بعد حين، لأن النفس البشرية مجبولة على حب التغيير في علاقاتها الاختيارية. أما في رابطة الأخوة، فإن كثرة المجالسة تزيد من الألفة، وحتى لو حدث نوع من السأم، فإنه سأم عارض لا يمس أصل العلاقة ولا يهدد بقاءها.

لماذا الأخ هو الأمان الدائم؟

بعد هذه الرحلة الطويلة من التجارب والخبرات، أيقنتُ يقيناً لا يقبل الشك أو المراء، أنه لا توجد صداقة في هذا الوجود تشبه صداقة الأخ، ولا يوجد أمان مطلق إلا مع الأخ. إن المحبة والألفة والرابطة التي تدوم وتصمد أمام أعاصير الحياة هي تلك التي تجمعك بإخوتك.

إليك بعض الفروقات الجوهرية التي تجعل من الأخ كنزاً لا يعوض:

1. سهولة الرجوع بعد القطيعة: مهما بدا أن الخلاف بين الإخوة صعب ومعقد، فإن رجوع الرابطة سهل وسريع بمجرد مبادرة بسيطة أو اعتذار رقيق. أما الصديق، فرجوع العلاقة معه بعد الانقطاع أو الإساءة يكون صعباً وبطيئاً، وقد لا تعود المياه إلى مجاريها أبداً.
2. سعة الصدر والصفح: الأخ، مهما قطعتَه أو أسأت إليه، يظل في قلبه حنان فطري وعطف خفي عليك. لو رجعت إليه معتذراً، لوجدت مكانتك ومنزلتك في قلبه كما هي، وكأن شيئاً لم يكن. أما الصديق، ففي الأغلب الأعم، إذا أسأت إليه أو قطعته، فلن تجد في قلبه إلا الحقد أو الغضب، ولو رجعت معتذراً، فمن الصعب جداً أن تستعيد مكانتك السابقة.
3. الثبات في الأزمات: الصديق قد يواسيك بكلمات، لكن الأخ يحمل عنك الأعباء بفعله. الأخ يرى في مصيبتك مصيبته، وفي حزنك حزنه، بدافع من غريزة الانتماء لنفس الأصل.

تحذير من الغبن والخسارة

يا أيها الحبيب، إياك أن تقع في الغبن العظيم، وهو أن تضيّع وتفرّط في رابطة الأخوة المتينة لأجل مجالسة أصدقاء قد تظنهم سنداً، وهم في الحقيقة عابرون في حياتك. فوالله إنك ستندم وتخسر عاجلاً أم آجلاً إذا قدمت الغريب على القريب، أو جعلت الصديق هو مستودع سرك الوحيد بينما أخوك مهجور منبوذ.

لقد وقفتُ خلال حياتي على علاقات ساءت بين إخوة لسنوات طويلة، وصلت في بعض الأحيان إلى السب والقطيعة التامة، ومع ذلك، رأيتها تعود أحسن ما يكون بمجرد موقف إنساني واحد. وفي المقابل، لا أعرف علاقات ساءت بين أصدقاء وصلت إلى حد القطيعة ثم عادت كما كانت؛ بل إن رجوع هذه العلاقة في كثير من الأحيان يشبه رجوع المطلقة ثلاثاً لزوجها، أمراً في غاية الصعوبة والاستحالة النفسية.

خاتمة ونصيحة

إن الأخ هو قطعة من الروح، وهو السند الذي ادخره الله لك لتقوى به في مواجهة الحياة. فلا تسمح لصغائر الأمور، ولا لنزغات الشيطان، ولا لبريق الصداقات العابرة أن يحجب عنك رؤية هذه النعمة العظيمة. بادر اليوم قبل الغد بصلة أخيك، وتجاوز عن زلاته، واعلم أنك مهما وجدت من الأصدقاء، فلن تجد قلباً يحنو عليك كقلب أخيك الذي خرج من نفس الرحم الذي خرجت منه.

اللهم ألف بين قلوب الإخوة، واجعلهم سنداً لبعضهم البعض، ولا تجعل للشيطان بينهم نصيباً. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *