رصاص “بن غفير” في النقب: هل تحولت الشرطة الإسرائيلية إلى أداة للتصفية الممنهجة ضد فلسطينيي 48؟

رصاص “بن غفير” في النقب: هل تحولت الشرطة الإسرائيلية إلى أداة للتصفية الممنهجة ضد فلسطينيي 48؟

لم تعد حوادث استهداف الفلسطينيين في الداخل المحتل برصاص الشرطة الإسرائيلية مجرد "تجاوزات فردية" أو أحداثاً معزولة تفرضها الظروف الميدانية، بل باتت تشير بوضوح إلى تحول بنيوي عميق في عقيدة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. هذا التحول جعل من الشرطة أداة سياسية بامتياز، تعمل ضمن مخطط ممنهج يهدف إلى الترهيب، التنكيل، وتكريس القبضة الأمنية عبر الاستهداف المباشر.

جريمة "ترابين الصانع": إعدام بدم بارد وغطاء سياسي

في ليلة دامية بقرية "ترابين الصانع" في النقب، سطر الرصاص الإسرائيلي فصلاً جديداً من فصول العنف، حيث قُتل الشاب محمد حسين الترابين أثناء اقتحام قوات الشرطة للقرية. هذه الحادثة لم تكن مجرد استخدام مفرط للقوة، بل كشفت عن "الحصانة" التي يتمتع بها أفراد الشرطة، حيث اكتفت محكمة بئر السبع بفرض الحبس المنزلي لمدة 5 أيام فقط على الشرطي القاتل، رغم شبهة إطلاق النار غير القانوني.

شهادة حية من قلب المأساة

تفنّد عائلة الضحية رواية الشرطة المزعومة حول "تشكيل خطر"، حيث نقلت "الجزيرة نت" شهادة نجل الضحية (11 عاماً) الذي قال بمرارة: "طرقوا الباب.. فتح أبي، وفوراً أطلقوا النار على صدره". ولم يتوقف الأمر عند القتل، بل سحبت الشرطة الجثة إلى الشرفة وفتشت المنزل في مشهد مهين، قبل أن تحاول تنظيف آثار الدماء عند المدخل لإخفاء معالم الجريمة.

مباركة حكومية: "الحوكمة" كغطاء للترهيب

بدلاً من المحاسبة، جاءت الردود السياسية الإسرائيلية لتصب الزيت على النار. فقد أشاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بوزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، مثمناً ما أسماه "جهود فرض الحوكمة في النقب". هذا الدعم السياسي يمنح الضوء الأخضر للشرطة للاستمرار في سياسة "اليد الخفيفة على الزناد"، وهو ما أكده نتنياهو بتصريحه حول منع النقب من التحول إلى "جنوب جامح".

لغة الأرقام: تصاعد مرعب في وتيرة القتل

تعكس الإحصائيات واقعاً مخيفاً يعيشه فلسطينيون الـ 48 تحت وطأة السياسات الجديدة:

  • عام 2025: شهد مقتل 12 مواطناً عربياً برصاص الشرطة حتى الآن، دون تقديم أي شرطي للمحاكمة.
  • منذ عام 2000: وثق مركز "عدالة" مقتل 112 فلسطينياً برصاص الأمن الإسرائيلي.
  • منذ 7 أكتوبر 2023: سقط 28 قتيلاً من فلسطينيي الداخل برصاص الشرطة، مما يظهر استغلال حالة الحرب لتصفية الحسابات في الداخل.

النقب في عين العاصفة: تهجير تحت ستار "مكافحة الجريمة"

تندرج جريمة قتل الترابين ضمن حملة أوسع تستهدف القرى البدوية في النقب، تشمل:

  1. المداهمات والاعتقالات العشوائية.
  2. أوامر هدم المنازل المتسارعة.
  3. الجولات الاستفزازية: حيث اقتحم بن غفير قرية الترابين 3 مرات في غضون أسبوعين فقط.

مواقف القيادات العربية

  • جمال زحالقة (رئيس لجنة المتابعة العليا): وصف ما يحدث بأنه "حملة ترهيب وانتقام"، مؤكداً أن الشرطة أصبحت "جهة معادية" تمارس القتل المتعمد بتوجيهات سياسية دموية.
  • يوسف العطاونة (نائب سابق): حمّل نتنياهو المسؤولية المباشرة، معتبراً أن "الحوكمة" المزعومة هي غطاء لتوفير ظروف العربدة للشرطة وإهدار دم المواطن العربي.
  • سمير بن سعيد (عضو كنيست): أكد أن الجريمة هي جزء من "سياسة الحصار" واستباحة الدم العربي، مطالباً بتحقيق مستقل بعيداً عن المؤسسة الأمنية المتورطة.

الصمود في وجه التهويد

أكد حزب "الوفاء والإصلاح" في النقب أن هذه الممارسات، بما فيها رفع الشعارات العنصرية، هي جزء من مشروع استراتيجي لتهجير سكان القرى مسلوبة الاعتراف وتهويد الأرض. ورغم كل محاولات بن غفير لتوظيف "العربدة" الأمنية لرفع شعبيته الانتخابية، يبقى لسان حال أهالي النقب يؤكد: "نحن أصحاب الأرض وملحها، وسنبقى صامدين رغم السياسات غير الشرعية".


خلاصة القول: إن ما يحدث في النقب والداخل المحتل اليوم ليس مجرد خلل أمني، بل هو صياغة جديدة لعلاقة المؤسسة الإسرائيلية مع المواطنين العرب، تقوم على اعتبارهم "عدواً" يجب قمعة، وسط غياب تام

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *