رمضان على الأبواب: كيف تستعد لاستقبال ضيف الرحمن؟

# رمضان على الأبواب: كيف تستعد لاستقبال ضيف الرحمن؟

تتسارع دقات القلوب، وتشرئب الأعناق، وتتطلع الأرواح إلى أفق يلوح فيه هلال طال انتظاره. إنها الأيام التي تسبق الرحمة، واللحظات التي تسبق المغفرة. نحن اليوم نقف على أعتاب زمن ليس كالأزمان، وموسم ليس كالمواسم. إننا ننتظر ضيفاً يغير ملامح الوجود في أعيننا، ويعيد ترتيب بعثرة نفوسنا التي أرهقتها مشاغل الدنيا وفتنها.

العنصر الأول: على الأبواب ضيف كريم

حين نتحدث عن رمضان، فنحن لا نتحدث عن مجرد شهر في تقويم العام، بل نتحدث عن “ضيف” حلّ بساحتنا، وهو ضيف من نوع خاص. الضيف العادي يحتاج منا إكراماً في المأكل والمشرب والمبيت، أما هذا الضيف الكريم، فإن إكرامه يكون بتطهير المحل الذي سينزل فيه، ألا وهو “القلب”.

تخيل أن ملكاً من ملوك الدنيا أرسل إليك رسولاً يخبرك بأنه سيزورك في بيتك، كيف سيكون حالك؟ وكيف ستكون استعداداتك؟ لا شك أنك ستقلب البيت ظهراً لبطن، تنظف زواياه، وتعطر أركانه، وتطرد منه كل ما لا يليق بحضرة الملك. فكيف والشهر هو شهر الله؟ وكيف والضيف هو منحة إلهية تأتي لتغسل خطايا العام كله؟

إن هذا الضيف الكريم يطرق الأبواب الآن، والنداء الرباني يتردد في الآفاق: يا باغي الخير أقبل. إنه يأتي ومعه الهدايا والعطايا؛ فيه ليلة خير من ألف شهر، وفيه تفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران. الاستعداد لهذا الضيف لا يكون بتكديس الأطعمة في الثلاجات، ولا بتجهيز القنوات والمسلسلات، بل يكون بتهيئة الأرواح للتحليق في ملكوت الطاعة، وبتصفية الحسابات مع النفس قبل أن يبدأ السباق.

العنصر الثاني: الفرح بقدوم شهر الصيام

إن من أعظم علامات الإيمان في قلب العبد أن يستبشر ويفرح بقدوم مواسم الطاعات. الفرح برمضان هو فرح بفضل الله ورحمته، وهو دليل على أن القلب لا يزال حياً ينبض بحب الخالق. ليس الفرح هنا مجرد ابتسامة عابرة، بل هو استبشار روحي يملأ الكيان طمأنينة ويقيناً.

لماذا نفرح برمضان؟ نفرح لأننا نعلم أن الله قد مد في أعمارنا لنشهد فرصة جديدة للتوبة. نفرح لأننا ندرك أن هذا الشهر هو محطة للتزود بالوقود الإيماني الذي يعيننا على مواجهة عواصف الحياة. إن المؤمن الذي ذاق حلاوة القرب، يرى في رمضان واحة غناء وسط صحراء قاحلة، ويرى فيه فرصة للعتق من الرقاب التي أثقلتها الأوزار.

هذا الفرح يجب أن يترجم إلى سلوك؛ فيظهر في بشاشة الوجه مع الخلق، وفي المسارعة إلى الصلح مع المتخاصمين، وفي العزم الأكيد على ترك المعاصي. إن الفرح بقدوم رمضان هو إعلان الولاء لله، واعتراف بفقرنا إلى رحمته، وشوقنا إلى جنته. فمن لم يفرح بقدوم رمضان، فليراجع قلبه، وليبحث عن العلة التي جعلته يزهد في أعظم موسم للربح مع الله.

العنصر الثالث: شتان بين من أدركه وبين من فاته

لو كُشف الحجاب عن أهل القبور، لسمعنا منهم نحيباً يقطع القلوب شوقاً إلى سجدة واحدة في ليل رمضان، أو تسبيحة واحدة في نهاره. هنا تظهر قيمة النعمة التي نعيشها الآن. نحن اليوم فوق الأرض، نتنفس، ونملك القدرة على الحركة والعمل، بينما هناك تحت التراب من كانوا معنا في العام الماضي، يشاركوننا الطعام والشراب، ويؤملون أن يدركوا رمضان هذا العام، ولكن هيهات، فقد سبقت إليهم المنايا.

شتان بين من أدركه رمضان وهو في كامل صحته وعافيته، فاستثمر كل دقيقة فيه، وبين من أدركه وهو غافل لاهٍ، يمر عليه الشهر كأنه أي شهر آخر. الفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت، وبين البصير والأعمى. إن إدراك رمضان هو عمر جديد يُكتب لك، وهو فرصة ذهبية قد لا تتكرر مرة أخرى.

تأمل في صفوف المصلين في التراويح، تذكر وجوهاً غابت، وأصواتاً سكتت. هؤلاء رحلوا وتركوا خلفهم صحائفهم، فبماذا ستملأ أنت صحيفتك؟ إن بقاءك إلى هذه اللحظة ليس عبثاً، بل هو إمهال من الله لتصلح ما فسد، وتبني ما تهدم. فاغتنم أنفاسك قبل أن تخمد، واغتنم قوتك قبل أن تضعف، واعلم أن من أدرك رمضان ولم يُغفر له، فقد خسر خسراناً مبيناً.

العنصر الرابع: حرمان الفعل، وحرمان اللذة

هنا نصل إلى أدق النقاط وأكثرها إيلاماً في هذا الموضوع؛ ألا وهي قضية “الحرمان”. الحرمان في رمضان ليس جوع البطن ولا عطش الكبد، بل الحرمان الحقيقي يتجلى في صورتين:

أولاً: حرمان الفعل

وهو أن يُحال بين العبد وبين العمل الصالح. قد يكون ذلك بمرض يقعده، أو بظروف تقهره، أو بموت يختطفه قبل بلوغ الشهر. وهذا النوع من الحرمان مؤلم، لكن المؤمن الصادق قد يبلغه الله أجر ما نوى بصدق نيته. ولكن الحرمان الأشد هو أن يكون العبد صحيحاً معافى، فارغاً من الشواغل، ومع ذلك لا يوفق لسجدة، ولا يوفق لختمة، ولا يوفق لدمعة خشوع. هذا هو الخذلان أن تفتح أبواب الجنة، ولا تجد لك مكاناً فيها، وتغلق أبواب النار، وتصر أنت على طرق أبوابها بمعاصيك.

ثانياً: حرمان اللذة

وهو أخطر وأدق؛ أن يصلي العبد ولكن لا يشعر بالصلاة، ويصوم ولكن لا يجد أثر الصيام في خلقه، ويقرأ القرآن ولكن لا يتجاوز حنجرته. إنه حرمان “اللذة” و”الأثر”. هذا الحرمان ناتج عن تراكم الذنوب على القلب حتى صار كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً.

إن من الناس من يصوم رمضان عادة لا عبادة، فيكون حظه من صيامه الجوع والعطش، ومن قيامه السهر والتعب. هذا المحروم هو من دخل عليه الشهر وخرج وهو هو، لم يتغير فيه طبع، ولم يتهذب فيه سلوك. الحرمان الحقيقي هو أن تعيش في بحر من الرحمة وتخرج منه عطشاناً، وأن تقف على باب الكريم وتعود خائباً.

خاتمة وتذكرة

يا عباد الله، إن رمضان يطرق الأبواب، والفرصة سانحة، والنفحات دانية. فليكن شعارنا في هذه الأيام: “وعجلت إليك ربي لترضى”. لنستقبل هذا الضيف بتوبة نصوح، وبقلب سليم، وبعزم أكيد على أن نكون من عتقاء هذا الشهر.

اجعلوا من رمضان هذا العام نقطة تحول في حياتكم. لا تنظروا إلى كثرة العمل، بل انظروا إلى صدق العمل. طهروا بيوتكم من المنكرات، وطهروا ألسنتكم من الغيبة والنميمية، وطهروا قلوبكم من الغل والحسد. إن الضيف الكريم لا يحب إلا الطيب، ولا ينزل إلا في المكان الطاهر.

اللهم بلغنا رمضان، وبارك لنا فيه، وأعنا فيه على الصيام والقيام، واجعلنا فيه من المقبولين، ولا تجعلنا من المحرومين الذين فاتهم الخير وهم ينظرون. إنك سميع مجيب الدعاء.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *