رمضان كمقاومة: كيف يصنع الصيام فجر الأمة الجديد؟

استهلال: مفهوم المقاومة في زمن الاستلاب

إن الحديث عن المقاومة ليس ترفاً فكرياً، ولا هو مجرد شعار يُرفع في المحافل، بل هو ضرورة وجودية لأمة تكالب عليها الأعداء من كل حدب وصوب. نحن نتحدث عن أمة تُنتهك مقدساتها جهاراً نهاراً، ويُعبث بأركان ثقافتها وأصالتها، ويُقتطع من أطرافها وتُحتل ديارها، وتُنهب خيراتها التي استودعها الله في أرضها. بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى تسليط شرار الخلق وأخس الأبناء على رقاب الناس، ليسوموا الأمة سوء العذاب، ويذيقوها مرارة الذلة والهوان، لتظل حبيسة قيود ثقيلة، ومغلولة اليد إلى العنق، حتى لا تكاد تقوى على الصراخ أو الأنين.

في هذا السياق المظلم، تبرز المقاومة كفعل شامل لا يقتصر على الميادين العسكرية فحسب. فحين نقول إن القراءة فعل مقاومة، وإن الكتابة ممارسة مقاومة، وإن التفكير في حد ذاته سلوك مقاوم؛ فنحن لا نخرج هذه الأعمال عن سياقها الثقافي أو الفكري، ولا ننزع عنها صفة المتعة واللذاذة الذهنية. بل إننا نستكشف من خلالها جوانب العزة الكامنة في العقل المسلم، ونستلهم منها تصرفات تتجاوز المدى المنظور لتفتح آفاقاً أرحب من الحرية والسيادة. ولأجل هذا، كانت القراءة الواعية، والكتابة الصادقة، والتفكير الحر، أعمالاً بغيضة عند طغاة الأرض في كل زمان ومكان؛ وكم غصت معتقلاتهم بأرباب الفكر والقلم، وعند الله تجتمع الخصوم.

رمضان: المفهوم الواسع للمقاومة الإيجابية

من البديهي أننا حين نتحدث عن “المقاومة”، لا نقصد بها أي عمل محرم، أو مسلك غير مشروع، أو تخبطاً بلا مصلحة راجحة. بل إن المعنى المراد هنا هو ذلك الطيف الواسع والشامل؛ فكل عمل إيجابي يصب في مصلحة الأمة يمثل لبنة متينة في بناء المقاومة الكبرى. قد يكون المرء في جوف بيته، وهو يربي أبناءه على قيم الإسلام، أكثر مقاومة وتأثيراً ممن يجول في الميادين بلا وعي أو بصيرة.

لذلك، نحن نتلمس روح المقاومة في كل موسم ديني، وفي كل فكرة أصيلة، وفي كل قول سديد. نراها في عيون الصغار وهم يتعلمون الصمود، وفي ثبات الكبار، وفي أوبة العصاة وتضرع الأبرار. إنها واجب الوقت، ولازم الحال، والضرورة التي لا مناص منها لمن أراد التغيير الإيجابي الحقيقي في واقع هذه الأمة.

رمضان كفعل مقاومة شامل

حين يقترب هلال شهر رمضان المبارك، تبتهج أفئدة المسلمين وتستبشر النفوس بحلوله. يستعد الناس له بما اعتادوا عليه من المباحات، ويجتهد العلماء لبيان أحكامه وفضائله، ويخلو العبَّاد بربهم في محاريب الاعتكاف. وفي المقابل، نجد أهل الفساد والضلال قد استعدوا أيضاً، لكن لترويج محظوراتهم وبث سمومهم التي توجب العقوبة شرعاً وقانوناً لو كان لدين الله حكم نافذ، والله المستعان على ما يصفون.

إن في رمضان زوايا للمقاومة لا تعد ولا تحصى؛ بل إن الشهر في جوهره يحمل سمات المقاومة التي تزلزل عروش المرجفين والمنافقين. هؤلاء الذين يدركون خطورة هذا الموسم الميمون على مشاريعهم التغريبية، فينازلونه منازلة العدو، ويسخرون الأموال الطائلة والجهود الجبارة لبث الإفك والبهتان، وما ذلك إلا دليل قاطع على ترسخ مفهوم المقاومة في هذا الشهر لديهم، وإن لم ينطقوا به صراحة.

وحدة الأمة في ظلال الصيام

يأتي رمضان ليوحد أمة محمد صلى الله عليه وسلم على شعيرة الصيام والقرآن. وحتى في اختلاف مطالع الهلال، نجد توسيعاً لدائرة الاجتهاد وتدريباً على أدب الخلاف والتعاذر بين أبناء الملة الواحدة. لقد حاول الأعداء طويلاً تمزيق جسد هذه الأمة وتحويلها إلى أشلاء متناحرة وشعوب متنافرة تفرقها الحدود الوهمية، ليأتي رمضان فيجمعهم على فعل واحد، ونبل واحد، وسمو نفس، وصفاء روح. وأعظم بهذا الاجتماع من فعل مقاوم يكسر قيود التجزئة والفرقة!

وفي الوقت الذي ينغمس فيه العالم في تقويمات مادية لا روح فيها، ويغيب التقويم الهجري عن التعاملات الرسمية، تأتي فرحة المسلم برمضان لتصيب التبعية الثقافية في مقتل. إن السؤال عن الهلال، وتحري وقت السحر والإفطار، والتمسك باسم “رمضان” العربي الإسلامي، يعزز ارتباط الأمة بهجرة نبيها صلى الله عليه وسلم، وبتاريخها العريق، وتقويمها الذي يربط الأرض بالسماء. إنها مقاومة للذوبان في الآخر، وإعلان صريح عن كينونة حضارية مستقلة.

التماسك الاجتماعي: البنيان المرصوص

رمضان هو الموسم الذي يجمع أهل البلد الواحد على مائدة الخير. هنا تذوب الفوارق الطبقية؛ فالفقير يجد كفايته في زكاة الغني وجوده، والجاهل ينهل من علم العالم وحكمته. ينشط العمل الخيري والاجتماعي بانشراح الصدور، وتلتئم الأسر حول موائد الإفطار وفي صلوات التراويح. هذا التماسك والتآزر هو ما يعزز فينا وصف “البنيان المرصوص” الذي لا يمكن اختراقه أو هدمه. إن المجتمع المتماسك هو مجتمع مقاوم بطبعه، عصي على الانكسار أمام العواصف الخارجية.

المرأة المسلمة وثبات الهوية

في مدرسة رمضان، تصوم المرأة مع الرجل سواء بسواء، متعبدة لربها، صابرة على ما اختصها الله به من أحوال جبلية كالحمل والرضاع والمحيض. وهنا تتجلى الأحكام الشرعية التي تراعي فطرتها وتنشد مصلحتها ومصلحة وليدها، لتسقط معها كل شبهات المرجفين وأتباع الاتفاقيات الدولية المشبوهة مثل “سيداو” وغيرها من مبتكرات الفكر المادي الغريب. في رمضان، تتيقن الفتاة المسلمة أن دين الله يعلو ولا يعلى عليه، وأنها في خضوعها لخالقها تنال حريتها الحقيقية، لتنأى بنفسها ومجتمعها عن غوائل الكيد التغريبي.

الرباط والصلة بالعلماء الربانيين

من أعظم صور المقاومة في رمضان هو تجديد الصلة بين عامة الناس والعلماء الربانيين. فالمسلم في هذا الشهر يأخذ دينه عن أهله، لا عن منافق عليم اللسان، ولا عن مستغرب فاقد للهوية. انظر إلى ازدحام المساجد، والتوافد على الحرمين الشريفين، والرباط الأسطوري في المسجد الأقصى وأكنافه؛ ستعلم يقيناً أن رمضان هو شهر مقاومة إسلامية شعبية شاملة. إن هذا الزخم الإيماني يغيظ العدو المتربص، ويؤكد أن جذور العقيدة لا تزال حية ونابضة في عروق الأمة.

عبق التاريخ وذكريات الانتصارات

لا يمكن الحديث عن رمضان دون استحضار تاريخه الحافل بالأمجاد التي تفجع دهاقنة النفاق والكفر. ففي منتصف هذا الشهر تقريباً كان “يوم الفرقان” في معركة بدر الكبرى، وفيه كان فتح مكة العظيم. وفي رمضان وقعت معارك خالدة غيرت مجرى التاريخ، مثل القادسية، وفتح الأندلس، ومعركة الزلاقة، وحطين، وعين جالوت. إن الأمة التي تستذكر هذه المآثر وهي صائمة، إنما تستنهض في نفسها روح النصر، وتؤكد أن فجرها القريب لا بد أن يشرق بعد طول صيام.

الخاتمة: نداء للاستنهاض

إن رمضان يشترك مع غيره من الشعائر في تأصيل روح المقاومة؛ فالحج مؤتمر عالمي للمقاومة، والحجاب شعار عزة يقض مضاجع الحضارات المادية، والزكاة فعل مقاومة للفقر والعوز. نحن بحاجة ماسة اليوم لمن يأخذ بيد هذه الأمة لإحياء أحكام الدين تمثلاً واعتزازاً، واستنهاض الهمم لخدمة رسالة الإسلام.

فلا أرذل من حياة تخلو من المعنى الحقيقي للوجود، وإن ديدن المؤمن الحق هو أن يلح على ربه بالسؤال، ليكون صومه وصلاته ونسكه ومحياه ومماته خالصاً لله رب العالمين. فليكن رمضاننا هذا انطلاقة جديدة نحو مقاومة كل ما يضعف الأمة، وبناء كل ما يعزز مكانتها، لنكون حقاً خير أمة أخرجت للناس.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *