مقدمة: حين يطرق الضيف العزيز أبواب الحيرة
في غمرة الانشغالات اليومية وتزاحم المسؤوليات، وفي مجلس عائلي يملؤه السكون، تذكَّرت الأم قرب دخول موسم الخير والبركة، فنطقت بكلمات تفيض حنيناً لقرب شهر رمضان. لكن المفاجأة كانت في صدى هذه الكلمات لدى ابنتها الصغيرة؛ إذ لم تقابل الخبر بالبشر والسرور المعتاد، بل جاء تعقيبها مثقلاً بنبرة من الإشفاق والجهد: “سيأتي رمضان.. سنصوم أيامه ونقوم لياليه، نعد الإفطار والسحور، ونستيقظ في جوف الليل!”.
ليست هذه الفتاة الصغيرة وحدها من يحمل هذا الشعور، بل إن لها عذراً في حداثة سنها، واشتهاء الملهيات، وصعوبة فطام النفس عن مألوفاتها. لكن التأمل العميق يكشف أن هذا الشعور يتسلل إلى قلوب الكثيرين من الكبار أيضاً. ففي خضم دروس الاستعداد ودورات التجهز ورسائل الوعظ، نجد صنفاً من الناس لا يلتقط أنفاسه من كثرة المشاغل، وهناك المبتلى بمرض يوهن جسده، أو فقدٍ يوجع قلبه، أو احتياج يشتت فكره. هناك المسافر الذي لم يقرَّ قراره بعد، وهناك من لم تعنه بيئته، ومن غلبت عليه الغفلة حتى وجد رمضان يطرق بابه بقوة.
هذا الإنسان يدرك يقيناً أن رمضان ليس كأي شهر، ويعلم وجوب العمل والاجتهاد، لكنه يشعر أنه غير متفرغ ليسمع، وغير قريب ليستدرك. فكيف يستقبل رمضان من يجد في قلبه قلقاً بدلاً من الشوق؟ وكيف يجد اللذة التي يتحدث عنها الصالحون؟ وكيف للمسلم المحب لربه أن يسعف قلبه إذا ترددت فيه مشاعر الثقل والضيق؟
الزمان لا ينتظر: رسالة من أعتاب الرحيل
كأن رمضان أتى بغير موعد! هكذا يشعر أولئك الذين لا يلتفتون لتعاقب الأيام، ولا ينتبهون للشهور التي لها تعلق وثيق بحياة المسلم الروحية. فلا رجب حين حلَّ قد حرّك سواكنهم، ولا شعبان قد تنسَّموا عبيره، فإذا بهم يقفون مرتبكين على أعتاب الشهر العظيم، يتساءلون في دهشة: متى أتى؟ وكيف داهمنا الوقت؟!
إن مرور العام بهذه السرعة المذهلة هو صورة مصغرة لمرور العمر كله. هكذا هي حياة المرء؛ لا يمر عام إلا ويتبعه أخوه، ولا ينتبه الإنسان لحياته إلا وقد مضى شطرها أو غالبها، ولم يبقَ منها إلا أوراق تهزها رياح الأجل وتنذرها بالرحيل. فإذا حلَّ رمضان اليوم على القلب كزائر ثقيل بسبب الغفلة، فإنه سيؤدي رسالته سريعاً ويمضي؛ رسالة التذكير والرحمة والبشرى. أما “زائر الختام” -وهو الموت- فلن يترك رسالة لزائره، بل سيكون هو الرسالة والذكرى النهائية.
لو تدبر الواحد منا في ذلك الغد القريب، لعلم شدة حاجته ليوم واحد، بل لساعة واحدة يملؤها بما يحب الله. إن ساعات الشهر الكريم وأيامه المعدودة هي “الأمنية المستحيلة” لمن غادروا الدنيا، وهي في المقابل “المنحة التعويضية” العظمى لمن لا يزال على قيد الحياة. هذه المنحة لن تبقى طويلاً، وإن كانت تتكرر كل عام، ففي كل عام يغيب عنها من سبقت إليهم يد المنون. ألا تجعلنا هذه الفكرة أحرص الناس ولو على ساعة من نهار الشهر أو ليله، نسأل الله فيها عتقاً وعفواً ونجاة؟
الزمان بيد الله: رمضان كرافعة إيمانية
ثمة قلوب أخرى تحب الشهر وتجله، لكنها تخشى من تفلته، تود لو يتأخر قليلاً ليمنحها فرصة أطول للاستعداد. ولكن، من الذي ضمن لنا أننا إذا تُرِكنا لأنفسنا سنفعل؟ وكم من مرة بيَّتنا نوايا وأخذنا عهوداً، ثم ما لبثت أن انتقضت لأن العزمات فترت، ولأننا استثقلنا الثمن فبقينا في أماكننا!
لذلك تأتي رحمات الله عز وجل كـ “رافعة” تنتشل تلك القلوب الضائعة في دروب الدنيا، تنقلنا من دركات الغفلة المهلكة وتضعنا على عتبات طريق الترقي. تأتي المواسم الإيمانية في خضم الانشغالات لتكسر رتابة الزمن المادي الذي نعيشه. فكما تأتي الصلوات الخمس في أوقات متفرقة لتذكر الإنسان بعبوديته لربه، فكذلك الصيام يدخل عليك ليصلحك، ويعيد بناء نفسك، ويقيم اعوجاج روحك.
إن الصيام يأخذك قسراً من الانشغال بما يفنى إلى الانشغال بما يبقى. فإذا لم تكن قبل رمضان منتبهاً، فرمضان يقربك، وإذا لم تكن متصلاً، فالصيام يصلك بخالقك. نحن نرى طلاب الدنيا يتجهزون لمواسم تجاراتهم بجدية تامة، ونحن هنا بصدد الحديث عن “أنفس البضائع” وأعظم التجارات؛ وهي تجارة النفس مع خالقها. فإن فاتنا الاستعداد المبكر لأي سبب، فلا أقل من أن نقحم أنفسنا في سباق الخيرات بقلوب راضية، فكم من متأخرٍ سبق الأولين بصدق نيته ومضاعفة جهده في اللحظات الأخيرة.
قيود النفس: عوائق خفية في طريق المحبين
ما الذي يحجز النفس عن التقدم؟ إنها قيود خفية تعمل على تثبيط الروح وإخماد شعلتها. قد يشعر الإنسان أنه “خارج السباق”، أو أن الحديث المتكرر عن رمضان يزيده نفوراً وقلقاً، أو قد يخدعه الشيطان بأنه قادر على اللحاق متى أراد (التسويف)، أو أنه لا يقدر على أكثر من الفرائض.
كل قيد من هذه القيود يعكس آفة تحتاج إلى مصارحة:
1. آفة الكبر: التي تجعل المرء يزهد فيما يقبل عليه المحبون.
2. آفة الغرور: التي تخدع النفس بطول الأمد وقدرة الأوبة في أي وقت.
3. آفة الجهل: التي تجعل العبد لا يعرف قدر ربه ولا قدر نفسه واحتياجها.
والدواء الوحيد الذي يصهر هذه الأغلال هو “المحبة”. المحبة التي يغرسها الإيمان وينضجها العلم. فالمحب لربه يبحث عما يرضيه، والمحب يسارع في رضا من يحب، والمحب لا يكتفي بالواجبات لأنه يعرف تقصيره وعظمة سيده. رمضان هو أعظم “هدية” من الله لعباده، وحريٌّ بمن عرف المحبة أن يستقبل الهدية بابتهاج، لا بتثاقل.
التعرض لنفحات الله: فرصة للمقصرين والمثقلين
قد يقول قائل: “أنى لي بالقبول وقد فعلت وفعلت؟ أو ماذا أفعل وقد داهمنا الوقت؟”. هنا تظهر عظمة رحمة الله؛ أن يبلغك رمضان رغم غفلتك، وأن يفتح لك أبواب الغنيمة بلا مجهود جبار، بل بصدق توجه.
إن الوصايا الرمضانية لا تتطلب مجهوداً عضلياً شاقاً في بدايتها، بل تتطلب “إيماناً عميقاً” ورغبة صادقة في الدخول في كنف الله. أن تقول بصدق: “يا رب إني عائد فأعني”، أو “اهدني وأرشدني”.
خطوات عملية للمثقلين بالانشغال:
- النية الصادقة: أن تدخل الشهر بنية الظفر بمقاصده، فالنية تقطع المسافات وتفتح المسارات المغلقة.
- فقه الصوم: أن تصوم وأنت تستشعر معنى الانقطاع عن المادة للاتصال بالروح.
- الخلوات القصيرة: دقائق معدودة قبل الأذان أو في جوف الليل تقرأ فيها صفحة من القرآن أو تذكر الله بقلب حاضر.
- ترك الإصر: التوبة من الذنوب والمعاصي التي تثقل الروح وتمنعها من التحليق في رحاب الطاعة.
إن الله عز وجل أمرنا بالتزود، ودعانا لإعداد العدة، وبغَّض إلينا التسويف والاغترار بالدنيا. الله يحب أن يرى من عبده عملاً صادقاً وجهداً مخلصاً، فلا تدع نفسك تغلبه، ولا تترك الأيام تسوقك حيث تشاء، بل هبَّ من فورك الآن، وقدِّم بين يدي ربك نيةً صالحة وتوبةً نصوحاً، لعل القلوب تهفو، ولعل النفوس ترق وتلين، ولعلنا نكون من المقبولين في شهر الرحمة والرضوان.

اترك تعليقاً