رمضان والقرآن: أسرار العلاقة الروحية وسبيلك لتجديد الإيمان

مقدمة: مواسم الطاعات وهدايا الرحمن

من أسمى تجليات حكمة الله ورحمته ولطفه بعباده، أن جعل لهم في تعاقب الأيام والشهور مواسم للطاعات، ومحطات للتزود بالإيمان، تنشرح فيها الصدور لعمل الخيرات، وتتسابق فيها الأرواح لاغتنام الأوقات. لقد وعد الله عباده على هذا الاجتهاد جزيل الجزاء وعظيم الثواب، فهو سبحانه القائل في محكم التنزيل: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص:68]. ومن مقتضيات هذا الاختيار الإلهي، أن اصطفى من البشر محمداً صلى الله عليه وسلم ليكون خاتم الأنبياء، ومن البقاع مكة والمدينة ليكونوا حرمه الآمن، ومن الأيام يوم النحر، ومن الليالي ليلة القدر التي تفضل في ميزانها ألف شهر، ومن الشهور شهر رمضان المبارك.

لقد أودع الله في قلوب عباده المؤمنين شوقاً دفيناً لهذا الشهر الكريم، فما أن يستدير العام حتى تخفق تلك القلوب لمقدمه، وتتلهف الأرواح لاستقباله، كما يُستقبل الضيف الحبيب الذي طال غيابه. وكأن المؤمن، في خضم صراعات الحياة، قد ناء بحمل أثقال الخطايا وغبار الغفلات، فما أن يهلَّ هلال الشهر ويحلَّ ضيفاً عزيزاً، إلا وقد ألقى تلك الأثقال عن كاهله، ووقف بتبتل وانكسار بين يدي ربه، يتوب إليه ويستغفره، مقبلاً على قلبه يجلو صدأه، ويميط الران عنه، حتى يعود ذلك القلب صقيلاً مضيئاً كالسراج المنير.

البشارة النبوية بقدوم شهر القرآن

كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرك قيمة هذه اللحظات الغالية، فكان يبشر أصحابه بقدوم هذا الموسم العظيم تشجيعاً لهم على الاستعداد النفسي والروحي. روى الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه؛ يقول: (قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ).

هذه البشارة ليست مجرد إخبار بحدث زمني، بل هي إعلان عن فتح أبواب الرحمة الإلهية على مصراعيها، وتهيئة للبيئة الإيمانية التي تمكن العبد من التحليق في آفاق التدبر والعبادة، بعيداً عن كيد الشياطين وضجيج الشهوات.

سر الارتباط الوثيق بين رمضان والقرآن

إن المتأمل في نصوص الوحي يدرك بلا ريب أن ثمة ارتباطاً وثيقاً وعلاقة عضوية بين رمضان الكريم والقرآن العظيم. فرمضان هو الشهر الذي فضله الله عز وجل على سائر الشهور، لا لشيء إلا لأنه اختصه بنزول أعظم المعجزات وأجلّ الكتب. فشهر رمضان له خصوصية فريدة بالقرآن، كما قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185].

ولم يقتصر هذا الشرف على القرآن فحسب، بل كان رمضان وعاءً زمنياً لنزول الكتب السماوية قاطبة، مما يؤكد مركزيته في تاريخ الهداية البشرية. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، وأُنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأُنزل الإنجيل لثلاث عشرة من رمضان، وأُنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان) [رواه أحمد].

لقد شهد هذا الشهر النزول الفريد لكتاب الله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ومنذ ذلك الحين، ارتبط القرآن برمضان ارتباطاً لا ينفك، فأصبح رمضان هو “شهر القرآن” بامتياز، واجتمعت فيه أمهات العبادات التي تغذي الروح والجسد.

الصيام.. معراج الروح لتلقي الوحي

من أخص العبادات بشهر رمضان ما يتعلق بالقرآن العظيم؛ تلاوةً، وتدبراً، ومدارسةً، وقياماً. وكأن الحكمة الإلهية في فرض الصيام هي تهيئة النفس لشكر الله على نعمة إنزال القرآن. فالصيام هو من أجلِّ العبادات التي يرتقي فيها المسلم بروحه، ويتحرر من قيود الطين، وكأنه في معراج خاص ليتلقى أنوار القرآن بطريقة تختلف عن سائر الشهور.

إن الصائمين يجدون في مدارسة القرآن في رمضان لذةً وخشوعاً لا يجدونه في غيره، والسبب يكمن في أن الصيام يهذب النفس البشرية ويصفي كدورتها. ففي أيام الصيام، تسكن النفس وتهدأ بسبب ترك فضول الطعام والشراب، وهذا التقلل من “الفضول” هو المفتاح الحقيقي لتدبر القرآن.

حواجز الفضول العشرة وكيف يحطمها رمضان:

لكي يصل نور القرآن إلى القلب، يجب إزالة الحواجز التي يبنيها الانغماس في المباحات، ورمضان هو الفرصة الذهبية لتقليل:
1. فضول الطعام والشراب: الذي يورث الكسل ويثقل البدن عن القيام.
2. فضول النكاح: الذي يشغل الفكر بملاذ الدنيا.
3. فضول مخالطة الناس: التي تشتت التركيز وتكثر القيل والقال.
4. فضول النظر: الذي يسرق خشوع القلب.
5. فضول السماع: الذي يملأ الأذن باللغو.
6. فضول الكلام: الذي قد يجر إلى الغيبة والنميمة.
7. فضول النوم: الذي يضيع ساعات الليل الثمينة.
8. فضول السهر: في غير طاعة الله.
9. فضول تصفح المواقع والشبكات: الذي استهلك أعمار الناس في هذا الزمان.
10. فضول الانشغال بالدنيا: الذي ينسي العبد مآله.

كلما زالت هذه الحواجز، تهاوت الحجب بين القلب والقرآن، فيدخل المؤمن في حالة من الصفاء تمكنه من سماع نداءات الرحمن في آياته.

الشفاعة المزدوجة: الصيام والقرآن

في يوم القيامة، حين يحتاج العبد إلى كل بارقة أمل، يبرز الصيام والقرآن كشفعاء متلازمين. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، قال: فيشفعان) [رواه أحمد].

يا له من مشهد مهيب! الصيام يدافع عنك في المحشر، والقرآن يجادل عنك أمام رب العزة. فمن أراد هذه الشفاعة، فليصل حباله بهما في الدنيا، وليجعل ليله قرآناً ونهاره صياماً.

هدي النبي والسلف في تعظيم القرآن خلال رمضان

كان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو القدوة والأسوة، يخص رمضان بمزيد من العناية بالقرآن. ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلّم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن).

يستنبط العلماء من هذا الحديث فوائد جليلة، منها:

  • استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك.
  • عرض القرآن على من هو أحفظ وأعلم به.
  • استحباب الإكثار من التلاوة ليلاً؛ لأن الليل تنقطع فيه الشواغل، ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر، كما قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل:6].

وعلى هذا النهج سار السلف الصالح، فكان لهم اجتهاد عجيب؛ فكان بعضهم يختم القرآن في كل ثلاث ليالٍ، وبعضهم في كل ليلتين، بل كان الإمام الزهري إذا دخل رمضان يقول: “إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام”، وكان الإمام مالك يترك مجالس الحديث ويقبل على المصحف.

صلاة التراويح: نداء الروح لسماع كلام الله

تعد صلاة التراويح من أبهى صور اختصاص رمضان بالقرآن؛ فهي صلاة شُرعت ليسمع الناس كتاب الله مجوداً مرتلاً في بيوت الله. ومن هنا استحب العلماء للإمام أن يختم فيها ختمة كاملة ليسمع المصلون القرآن كله. إن سماع القرآن من القراء المتقنين ذوي الأصوات الندية يلين القلوب القاسية، ويقشعر الجلود، ويأخذ بيد العبد نحو الاستقامة والعمل.

الجهادان: صيام النهار وقيام الليل

يجتمع للمؤمن في رمضان جهادان لنفسه:
1. جهاد بالنهار: على الصبر عن الطعام والشراب والشهوة.
2. جهاد بالليل: على القيام وتدبر القرآن.

فمن وفّق للجمع بين هذين الجهادين، وصبر على مشقتهما، نال الأجر بغير حساب، وتحققت فيه بشارة الله: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10].

واقعنا مع القرآن: وقفة للمحاسبة

إذا تأملنا حال الأمة اليوم مع القرآن، لوجدنا بوناً شاسعاً بيننا وبين السلف. لقد أصبح القرآن عند الكثيرين مجرد “بركة” تُعلق على الجدران، أو كلمات تُتلى في المآتم، أو حروف تُهذّ هذّاً دون وعي بمعانيها. وهذا الهجر هو سر ضعفنا وتداعي الأمم علينا.

إن المخرج من الفتن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي رضي الله عنه: (كتاب الله تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكْم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى بغيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم…).

خاتمة: رمضان فرصة للتصحيح لا للتعويض

إن رمضان أيام معدودات، تمر كلمح البصر، فلا مجال فيها للمسامرات غير النافعة أو إضاعة الأوقات أمام الشاشات. إنها لحظات تحتاج إلى جهد متواصل. فليكن همك في هذا الشهر ليس “كم ختمة سأختم؟” بل “كم آية ستغير قلبي؟”.

اجعل من رمضان فرصة لتجديد العهد مع الله، واجعل القرآن أنيسك في خلوتك، وشفيعك في قبرك. علّم أبناءك أن رمضان ليس شهر الأكل والمسلسلات، بل هو شهر الانتصارات الروحية والتحليق في ملكوت الله عبر آياته.

ختاماً، تذكر قول ابن رجب رحمه الله: “يا من ضيع عمره في غير الطاعة، يا من فرط في شهره، بل في دهره وأضاعه، يا من بضاعته التسويف والتفريط وبئست البضاعة، يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة؟”. فبادر قبل فوات الأوان، واجعل من هذا الرمضان بداية لقصة حب جديدة مع كتاب الله.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *