رمضان وترويض الشهوات: دليلك الإيماني لتزكية النفس والروح

# رمضان وترويض الشهوات: محطة التزكية الكبرى

الحمدُ لله رب العالمين، بيده ملكوت كل شيء، وهو على كل شيء قدير، والصَّلاة والسَّلام على مبعوث الرحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصَحْبِه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

يَهِلُّ علينا شهر رمضان المبارك، ذلك الزمان الشريف الذي تتنزل فيه الرحمات، وتُفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلق فيه أبواب النيران، وتُصفد فيه الشياطين. إنه الموسم الذي تنتظره الأرواح الظمأى لتنهل من معين الإيمان، والقلوب المتعبة لتجد راحتها في رحاب الطاعة. في هذا الشهر الكريم، يجد الناس أنفسهم أمام مفترق طرق، وتتنوع أعمالهم وتوجهاتهم، فمنهم من يغتنم اللحظات، ومنهم من تسرقه العادات.

أولاً: أصناف الأعمال في ظلال الشهر الكريم

يستقبل المسلمون هذا الشهر بقلوب متباينة، وتنعكس هذه المشاعر على سلوكياتهم وأعمالهم، والتي يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أصناف رئيسة:

1. الأعمال الفاضلة (طريق المقربين)

وهي غاية الصيام وروحه، حيث ينشغل المسلم بما يرفعه درجات عند الله تعالى. ومن أعظم هذه الأعمال:

  • الصيام والقيام: ليس صيام البطن والفرج فحسب، بل صيام الجوارح عن كل ما يغضب الله، وقيام الليل الذي تتجافى فيه الجنوب عن المضاجع.
  • قراءة القرآن ومدارسة العلم: ففي رمضان نزل القرآن، وبه تحيا القلوب وتستنير العقول.
  • بر الوالدين وصلة الأرحام: حيث يرق القلب وتجود النفس بالوصل لمن قطعها.
  • مجاهدة النفس والشيطان: وهي المعركة الكبرى التي ينتصر فيها المؤمن على أهوائه.
  • الإحسان إلى الخلق: فيصل الصائم مَن قَطَعَه، ويُعْطِي مَن حَرَمه، ويحسن إلى مَن أساء إليه، ويعفو عَمَّن ظَلَمَهُ، مقتدياً بالنبي الكريم الذي كان أجود ما يكون في رمضان.
  • 2. الأعمال المُبَاحة (عادات تتحول إلى عبادات)

    تنشط في رمضان حركة التجارة وتوسعة الأرزاق، خاصة مع استعداد الناس لاستقبال عيد الفطر المبارك. وهذه التجارة إذا اقترنت بنية التوسعة على الأهل، وإدخال السرور على الفقراء والمساكين بصنوف الأطعمة والملابس والهدايا، تحولت من مجرد ممارسات دنيوية إلى أعمال يثاب عليها المسلم، شريطة ألا تشغله عن ذروة السنام وهي العبادة.

    3. الأعمال المُحَرَّمة (منزلقات الهلاك)

    وهي أخطر ما يواجه المسلم في هذا الشهر؛ فتبدأ بالإسراف المذموم في المباحات، ثم الإعراض عن مجالس الذكر وأماكن الطاعات، وصولاً إلى الانشغال بمشاهدة البرامج والمواد التي أُعدت خصيصاً لتصرف المسلم عن دينه، وتغرقه في لجة الشهوات، وتصرفه عن عمارة المساجد. إنها برامج تهيج الغرائز، وتفقد الصيام أثره الروحي، وتحول الشهر من ميدان للتقوى إلى موسم للهو والعبث.

    ثانياً: الصراع بين إرادة الخالق وأهواء الخلق

    يضعنا القرآن الكريم أمام حقيقة الصراع الأزلي بين الحق والباطل، وبين التوبة والشهوة. يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 27، 28].

    لقد فسر الإمام الطبري “الميل العظيم” بأنه مواقعة الفواحش واستحلالها، وهو ما يسعى إليه شياطين الإنس والجن. فالذين يتبعون الشهوات -سواء كانوا من الزناة أو من أهل الملل الأخرى الذين انحرفوا عن صراط الله- يريدون من أهل الإيمان أن يوافقوهم على غيهم، ليتساوى الجميع في الانحطاط الأخلاقي. لكن الله برحمته يريد التوبة للمؤمنين، ويريد أن يخفف عنهم أعباء الذنوب، وهو الأعلم بضعف الإنسان أمام مغريات الدنيا.

    ثالثاً: الصيام درع واقٍ في معركة الشهوات

    إن الإنسان بطبعه ضعيف، تتقاذفه أمواج الرغبات، وقد امتن الله عز وجل عليه بالشرع الحنيف ليكون له عصمة وقوة. والصوم هو أحد أعظم أركان هذا الشرع التي تهدف إلى:
    1. تقوية الإرادة: حين يمتنع المسلم عن المباح (الطعام والشراب) فإنه يصبح أقدر على الامتناع عن الحرام.
    2. سمو النفس: فالصيام يحرر الروح من قيد المادة، ويجعلها تحلق في آفاق العبودية لله وحده.
    3. خيبة الشيطان: فالجوع يضيق مجاري الشيطان في بدن الإنسان، مما يضعف كيده ويهدم خططه.

    يقول الله تعالى محذراً من اتباع خطوات الشيطان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21]. فالتزكية محض فضل إلهي، والصوم هو الوسيلة التي اختارها الله لنا لننال هذا الفضل.

    رابعاً: الاستغراق في الماديات وحجاب القلب

    إن الغرق في شهوات الدنيا، والاستسلام لدوافع الميول الفطرية دون ضابط شرعي، يشغل القلب عن التبصر والاعتبار. هذا الاستغراق يحجب عن الإنسان الرؤية الراقية، ويحرمه من متعة التطلع إلى ما هو أرفع من اللذة الحسية القريبة. إن دور الإنسان في الأرض -كخليفة لله- يقتضي منه اهتمامات كبيرة تليق بهذا الاستخلاف العظيم.

    الإسلام لا يدعو إلى كبت الفطرة أو قتل الغرائز، بل جاء لضبطها وتنظيمها. فالشهوات دوافع طبيعية لحفظ الحياة وبقائها، ولكن الهدف هو أن يكون الإنسان “مالكاً لها”، متصرفاً فيها بحكمة، لا أن تكون هي “المالكة له”، المتحكمة في قراراته ومصيره. إن الهدف هو تقوية روح التسامي، والتحلي بضبط النفس الذي هو جوهر التقوى.

    خامساً: خطر التقليد الأعمى وسبيل النجاة

    نعيش اليوم في زمن تتبنى فيه دول الغرب دعوات سافرة للفواحش تحت مسميات الحرية، وقد بلغت في ذلك مداه. وللأسف، مالت بعض المجتمعات الإسلامية إلى تقليد هذه الأنماط ميلاً عظيماً، وصار التقليد الأعمى هو السائد في السلوكيات والمظاهر. في هذا التيه، لا ملجأ للمسلم إلا ربه، فهو الذي ينقذه من عثراته.

    لقد جعل الله العبادات حصوناً منيعة:

  • الصلاة: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}.
  • الصيام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

فالشرع يبصرنا بسلفنا الصالح الذين دخلوا الإسلام بيقين، فحمى الله قلوبهم من الشهوات، وقوى عزائمهم بالعبادة، ففتحوا الدنيا بأخلاقهم قبل سيوفهم. وفي المقابل، يحذرنا من عاقبة إضاعة هذه الأمانة، فمن خلفهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات، فمصيره الهلاك: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59]. والغي هو شر لا خير فيه، وقيل هو وادٍ في جهنم تستعيذ منه الأودية.

سادساً: أثر الصوم في حفظ الجوارح (رؤية ابن القيم)

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله واصفاً عبقرية الصيام الإيمانية: “وللصِّوم تأثير عجيبٌ في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحمايتها منَ التَّخليط الجالب لها المواد الفاسدة، التي إذا استولَتْ عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرَّديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى”.

إن الصيام هو “جُنّة” أي وقاية وستار، وهو العلاج النبوي لمن اشتدت عليه شهوة الدنيا ولم يجد لها مصرفاً حلالاً، فقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم “وجاءً” أي كاسراً للشهوة ومنظماً لها.

خاتمة: نداء إلى كل مسلم

إخوة الإسلام، هيا نستقبل رمضان استقبال الفاتحين الذين يفتحون قلاع نفوسهم ليطهروا ما فيها من دنس، والداعين الخاشعين الذين يرجون رحمة ربهم. لنجعل رمضان يحل في بيوتنا سكينة، وفي قلوبنا نوراً، وفي أبنائنا قدوة. لنمتثل لأمر ربنا لتهذب نفوسنا، وتحيا قلوبنا، وتندثر الفواحش من مجتمعاتنا.

هيا نفرح برمضان اليوم، طاعةً وقربة، لنفرح به غداً عند لقاء ربنا حين يقال لنا: “أين الصائمون ليدخلوا من باب الريان؟”. واحذر يا أخي أن تكون ممن أدركوا هذا الموسم العظيم ولم ينالوا مغفرة الله، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم آميناً على دعاء جبريل: ((بُعد مَن أدرك رمضان، ولم يغفر له)).

فاللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ولا تُعِن علينا، واهْدِنا، ويَسِّر الهُدى لنا، واجبر عجزنا، وسَدِّد خُطانا يا أرحمَ الرَّاحمين. اللهم اجعلنا ممن يصوم رمضان إيماناً واحتساباً، واجعلنا فيه من عتقائك من النار.

والله مِن وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *