اكتساح برلماني وتفويض شعبي غير مسبوق
سجلت اليابان محطة تاريخية في مسارها السياسي، حيث رجحت التوقعات الأولية والنتائج شبه النهائية تحقيق الحزب الليبرالي الديمقراطي (LDP) الحاكم، بقيادة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، فوزاً كاسحاً في الانتخابات المبكرة التي جرت يوم الأحد. هذا الانتصار يضع تاكايتشي، التي تُلقب بـ “المرأة الحديدية اليابانية”، في موقف قوة سياسية لم يشهده الحزب منذ سنوات، مما يعزز قبضتها على مفاصل القرار في البلاد.
ووفقاً للبيانات الصادرة عن هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية (NHK)، نجح الائتلاف الذي تقوده تاكايتشي في حصد 352 مقعداً من أصل 465 في مجلس النواب. وقد تمكن الحزب الليبرالي الديمقراطي وحده من تأمين أغلبية مريحة جداً بواقع 316 مقعداً، وهو ما يمثل تفويضاً شعبياً صريحاً لسياسات أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في تاريخ اليابان، والتي سعت لتعزيز شرعيتها بعد أربعة أشهر فقط من توليها زعامة الحزب.
تحدي الظروف المناخية وسقوط الرهانات
جاء هذا النجاح الانتخابي في توقيت استثنائي، حيث تحدى الناخبون اليابانيون موجة صقيع قاسية وتساقطاً نادراً للثلوج في العاصمة طوكيو للإدلاء بأصواتهم، في أول انتخابات تُجرى في منتصف الشتاء منذ 36 عاماً. وبالرغم من تعطل حركة النقل وإغلاق عشرات خطوط القطارات والعبّارات وإلغاء العديد من الرحلات الجوية، إلا أن نسب الإقبال عكست رغبة شعبية في الاستقرار السياسي.
وكانت تاكايتشي قد غامرت بالدعوة لهذه الانتخابات، واعدة بالاستقالة في حال فشل حزبها في الحفاظ على الأغلبية. ويبدو أن هذه المقامرة قد أتت ثمارها، خاصة بعد الانهيار السابق لتحالف الحزب مع “حزب كوميتو” وتصاعد فضائح الفساد في عهد أسلافها، حيث نجحت الكاريزما الشخصية لتاكايتشي في رفع نسب تأييد حكومتها إلى ما يتجاوز 70%.
سر الشعبية: وعود اقتصادية وحضور رقمي
يرى المحللون أن نجاح تاكايتشي يعود جزئياً إلى قدرتها على التواصل مع فئات جديدة من الناخبين، وخاصة الشباب. فقد استغلت وسائل التواصل الاجتماعي بذكاء، ونشرت مقاطع فيديو عفوية من حياتها اليومية، كان أبرزها مقطع عزفها على الطبول مع الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، مما كسر الصورة النمطية للسياسي الياباني التقليدي.
اقتصادياً، اعتمدت تاكايتشي خطاباً شعبوياً ركز على زيادة الإنفاق الحكومي وخفض الضرائب، وهي وعود حفزت الناخبين القلقين من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. وقالت الناخبة ريتسوكو نينوميا من طوكيو: “يريد الناس حياة أكثر راحة لأننا اعتدنا على استقرار الأسعار، ونحن بحاجة لحلول طويلة الأمد”.
ردود فعل دولية وطموحات جيوسياسية
لم يقتصر صدى الفوز على الداخل الياباني، بل امتد دولياً. فقد أشاد وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، بالنصر واصفاً إياه بالخطوة التي تعزز قوة الولايات المتحدة في آسيا. كما هنأ رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تاكايتشي على النتيجة “التاريخية”، معرباً عن ثقته في ارتقاء العلاقات الثنائية لآفاق أوسع. والجدير بالذكر أن تاكايتشي حظيت بدعم علني غير معتاد من دونالد ترامب، حيث يتوافق الطرفان على ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي الياباني.
مخاوف من الانقسام وتحديات الدستور
رغم الفوز الكبير، لا تزال هناك تحديات جسيمة تواجه “المرأة الحديدية”. إذ تثير خططها لتشديد قوانين الهجرة ومراجعة ملكية الأجانب للأراضي انتقادات تتهمها بإثارة القلق في مجتمع يشكل فيه الأجانب 3% فقط. كما يشكك رجال أعمال في قدرة سياسات الإنفاق الضخم على إنعاش الاقتصاد دون مفاقمة الدين الحكومي الذي يعد من الأعلى عالمياً.
وعلى الصعيد الخارجي، تترقب الصين بحذر سياسات تاكايتشي، خاصة بعد تصريحاتها حول إمكانية التدخل العسكري في حال غزو تايوان. ومع امتلاكها أغلبية الثلثين في البرلمان، أصبحت تاكايتشي الآن في موقع مثالي لتحقيق هدفها القديم المتمثل في تعديل دستور اليابان السلمي، وهو ما قد يغير التوازنات العسكرية في شرق آسيا بشكل جذري.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً