مقدمة: حين يهمس الكون لبارئه
عندما ينسدل ستار الليل الأسود على الوجود، وتخفت أنوار الدنيا الصاخبة، وتبدأ الخليقة في الركون إلى هدوئها المعتاد، تنفتح في ملكوت الله أبوابٌ لا يراها إلا ذوو البصائر. في تلك اللحظات المهيبة، حيث تسكن الحركات وتنام الأعين، تبقى قلوبٌ أيقظها الشوق، وأحياها الأمل في كرم الخالق، لتنسج خيوط اتصالٍ فريد بين الأرض والسماء. إنها لحظات سجدات الأسحار، ذلك الموعد القدسي الذي يختاره الله لخاصة عباده، ليكونوا في ضيافته، يبثونه أحزانهم، ويطلبون منه الفرج في وقتٍ غفل فيه الكثيرون.
إن الليل ليس مجرد وقتٍ للراحة الجسدية، بل هو مضمارٌ للسباق الروحي، وميدانٌ تظهر فيه معادن الرجال والنساء الذين عرفوا أن مفاتيح الخزائن الإلهية لا تُنال إلا بالانكسار على عتبات العبودية في جوف الليل.
فضل الوقت: لماذا جوف الليل الآخر؟
لقد جعل الله سبحانه وتعالى لكل وقتٍ مزية، ولكن لثلث الليل الآخر خصوصيةً لا تضاهيها ساعة أخرى. ففي هذا الوقت، ينزل الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله، فينادي: “هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟”.
وعندما سُئل النبي ﷺ: أيُّ الدعاء أسمع؟ أجاب بكل وضوح ويقين: «جوفُ الليلِ الآخر». هذا التوقيت ليس عشوائياً، بل هو اختبارٌ للصدق؛ فالمحب لا ينام عن حبيبه، والطريد لا ينام عن باب من ينجيه، والمهموم لا يجد ملجأً أدفأ من كنف الخالق حين تنقطع الأسباب الأرضية. في هذه الساعة، يضيق العالم المادي بكل ضجيجه وتعقيداته، وتتسع السماء لكل من رفع طرفه إليها، لتصبح الأنفاس المثقلة بالهموم برداً وسلاماً بمجرد الاتصال بالخالق.
سر السجود: أقرب ما يكون العبد من ربه
إذا كان وقت السحر هو زمان القرب، فإن السجود هو حال القرب الأقصى. يقول المصطفى ﷺ: «أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجد». تأمل في هذا التناقض العجيب في المنطق المادي، والانسجام المذهل في المنطق الروحي: تضع جبهتك -وهي أعز ما فيك- على الأرض تذللاً وخضوعاً، فتجد روحك قد ارتقت إلى أعلى عليين.
في سجدات الأسحار، يمتزج ذل العبودية بعز الربوبية، فتخرج الدعوات من سويداء القلب قبل أن تتحرك بها الشفاه. إن السجود في هذا الوقت ليس مجرد ركن في صلاة، بل هو حالة من الانحلال التام من حول النفس وقوتها، والالتجاء الكامل إلى حول الله وقوته. هناك، تحت جنح الظلام، تُسكب العبرات حارةً، وتُبث الشكوى لمن لا يملُّ من سماعها، ولمن بيده ملكوت كل شيء.
سجدات الأسحار: مفاتيح الفرج المنسية
كثيراً ما نستهلك أعمارنا وجهدنا في البحث عن حلول لمشكلاتنا لدى البشر، ونطرق أبواب المسؤولين والأصدقاء، ونغرق في حسابات مادية معقدة، بينما الحل يقف قاب قوسين أو أدنى منا. إنني أجزم ـ غير متردّد ـ أن كثيرًا من المشكلات التي نعانيها، سواء كانت ضيقاً في الرزق، أو هماً في الصدر، أو كرباً في الأسرة، إنما يقف حلُّها قريبًا جدًّا منّا؛ أقربَ من ظنوننا، وأدنى من حساباتنا.
هذا الحل ينتظر فقط ركعتين في السَّحَر، ودمعةً صادقة، وانكسارَ قلبٍ بين يدي الله. فما أعجزَنا حين نُطيل التفكير، ونُكثر الشكوى للخلق الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ونؤخّر السجود للخالق الذي بيده مقاليد الأمور! ولو علمنا حق العلم ما في ركعتي الأسحار من تفريجٍ للكروب، وتيسيرٍ للعسير، وفتحٍ لأبوابٍ أُغلقت في وجوهنا؛ لما قدّمنا عليهما شيئًا من تدابيرنا المحدودة ولا اعتمادنا على الأسباب الواهية.
مقام الاصطفاء: حين يختارك الله لمناجاته
ليس كل من أراد القيام قام، وليس كل من قام سجد. إن التوفيق لسجدات الأسحار هو علامة حب واصطفاء من الله عز وجل. فعندما يوقظك الله في وقتٍ ينام فيه الخلق، ويشرح صدرك للوضوف والوقوف بين يديه، فاعلم أنه يريد أن يعطيك، وأنه اختارك لتكون من زمرة المقربين.
من أنزل حاجته بالله في ثلث الليل الأخير، وانحلَّ قلبُه بين يدي ربِّه، وسلَّمه في محراب السجود؛ فقد بلغ أقصى الرجاء، ومسَّ مقام القبول، ودنا من مشهد الاصطفاء. ذلك مقامٌ لا يناله إلا من اختاره الله، ورفع ذكره في الملكوت الأعلى، وقضى أمره قبل أن يرفع رأسه من سجوده. إنها كرامة لا تدانيها كرامة، أن تكون أنت الفقير الضعيف، في خلوة مع ملك الملوك، يناجيك وتناجيه.
أثر السحر في حياة المؤمن
إن لسجدات الأسحار أثراً يتجاوز لحظة الصلاة؛ فهي تترك في القلب نوراً لا ينطفئ بطلوع الشمس، وتمنح النفس هدوءاً وسكينةً تجعل العبد يواجه مصاعب النهار بقلبٍ ثابت ويقينٍ راسخ.
1. السكينة النفسية: من ناجى ربه في الليل، كفاه الله همّ النهار.
2. نور الوجه والبصيرة: قال السلف: “من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار”.
3. البركة في الرزق والوقت: فالدعاء في وقت الإجابة يفتح مغاليق الأمور.
4. القوة في مواجهة الأزمات: فمن استند إلى القوي في السحر، لم تكسره صدمات الحياة.
رسالة إلى كل مكروب ومهموم
فيا أخي، ويا أخيتي، إن أرهقك همٌّ جاثم على صدرك، أو أدركك كربٌ ظننت أن لا مخرج منه، أو ضاق بك الفضاءُ بما رحُب وتقطعت بك الأسباب؛ فاطرق باب السماء بسجداتِ الأسحار. إن لها في السماء رجعًا يسمعه الملائكة، وفي الغيب وقعًا يغير القدر، وفي الرحمة مفاتيحَ لا تُخطئ أبداً.
هي ساعةُ إجابةٍ لا يُرد فيها سائل، وموطنُ قربٍ لا يُطرد منه قاصد، وبابٌ لا يُغلق في وجه من طرقه بصدق وافتقار. لا تتردد، ولا تقل غداً، بل ابدأ من ليلتك هذه، واجعل لك نصيباً من ذلك النور.
الخاتمة: هنيئاً لأهل السحر
هنيئاً لمن قام في سكون الليل، وسجد في ظلمته، ودعا من قلبه قبل لسانه. فذلك عبدٌ أراده الله برحمته، وترك له في قلبه نوراً لا ينطفئ. فإن وفّقك الله لتلك المناجاة، فقد ألبسك تاجًا لا يُرى بالعين المجردة، بل تراه الأرواح، وشرّفك شرفًا لا يُدانى، ونلتَ كرامةً لا تُشبهها كرامة الدنيا بأسرها.
هناك، في تلك اللحظات الغالية، يُسمع الدعاء، ويُغفر الذنب، ويُجبر الكسر، ويكون العبدُ أقربَ ما يكون إلى مولاه الكريم. فاجعل من سجداتك في السحر معراجاً لروحك، ومفتاحاً لفرجك، وطريقاً إلى جنة ربك.
بقلم: طلال الحسّان (إعادة صياغة بتصرف)

اترك تعليقاً