# سرعة انقضاء رمضان: وقفات إيمانية مع ظاهرة تقارب الزمان
تمرُّ الأيام وتتوالى الساعات، وكأننا بالأمس القريب كنا نترقب بزوغ هلال شهر رمضان المبارك، نتبادل التهاني ونعدُّ العدة لاستقبال ضيفٍ عزيز طال انتظاره. وها نحن اليوم، وقد مضى من الشهر اثنا عشر يوماً ولياليها، انفرطت فيها حبات العقد بسرعة مذهلة، فمرت كلمح البصر أو هي أسرع، وكأنها طيف خيالٍ مرَّ بساحة الذاكرة ثم استتر.
إن هذا الشعور بتسارع الزمن ليس مجرد إحساس عابر، بل هو حقيقة إيمانية وواقع ملموس يتطلب منا وقفة تأمل عميقة، نراجع فيها حساباتنا، ونستلهم من هدي النبوة ما يفسر لنا هذا التسارع، وكيفية النجاة في زمنٍ تلاشت فيه البركة من الأوقات إلا من رحم ربي.
رمضان.. أيام معدودات في زمن متسارع
لقد وصف الخالق جل وعلا شهر رمضان في كتابه الكريم بكلمات بليغة جامعة، فقال سبحانه: {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ}. وهذا الوصف الإلهي يحمل في طياته إشارتين عظيمتين؛ الأولى هي التيسير على العباد بأن الصيام ليس دهراً طويلاً بل أياماً قليلة، والثانية هي التنبيه إلى سرعة انقضائها، فكل ما هو معدود منقضٍ، وكل ما هو آتٍ قريب.
وفي عصرنا الحالي، اجتمع على المسلم قلة عدد أيام الشهر مع ظاهرة نبوية أخبر عنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وهي “تقارب الزمان”. فبتنا لا نشعر بمرور الجمعة تلو الجمعة، وكأن الأسبوع صار يوماً، والشهر صار أسبوعاً. هذا التقارب الزماني جعل من رمضان فرصة ذهبية تتطلب حزماً وعزماً قبل أن ترحل القافلة.
تقارب الزمان في السنة النبوية المطهرة
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على تنبيه أمته لما سيحدث في أخريات الزمان، ومن ذلك إخباره عن تسارع الوقت وضياع بركته.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج وهو القتل، القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض» ) (رواه البخاري).
وفي رواية أكثر تفصيلاً توضح هيئة هذا التقارب، روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار» ) (رواه الترمذي).
هذه الأحاديث ليست لمجرد الإخبار الغيبي، بل هي جرس إنذار للمؤمن كي يستيقظ من غفلته، فإذا كان الزمان يتقارب، فإن العمر يقصر، والفرص تضيق، مما يوجب مضاعفة العمل والاجتهاد.
ماذا قال العلماء في معنى تقارب الزمان؟
اجتهد علماء الأمة في شرح معنى “تقارب الزمان” الوارد في الأحاديث، وقدموا رؤى عميقة تلامس واقعنا المعاصر بشكل مدهش:
1. قصر الأعمار وقلة البركة
يرى الإمام الخطابي في كتابه “معالم السنن” أن قوله صلى الله عليه وسلم (يتقارب الزمان) يحمل عدة معانٍ، منها: “قصر زمان الأعمار، وقلة البركة فيها”. وهذا ما نلمسه اليوم؛ فبالرغم من توفر وسائل الراحة، إلا أن الإنجاز الحقيقي في اليوم الواحد بات ضئيلاً مقارنة بما كان ينجزه السلف الصالح في وقت أقل.
2. دنو الساعة وقصر المدة
ويضيف الخطابي وجهاً آخر وهو: “دنو زمان الساعة”، أو أن القصر قد يكون حقيقياً في مدة الأيام والليالي في آخر الزمان، حيث يسرع دوران الفلك كما روي في بعض الآثار، حتى تكون السنة في سرعتها كالشهر، واليوم كاحتراق السعفة (وهي غصن النخل اليابس الذي يشتعل وينطفئ في ثوانٍ).
3. الذهول بالنوازل والفتن
أما الإمام البيضاوي في “تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة”، فقد قدم تفسيراً نفسياً واجتماعياً دقيقاً، حيث قال: “معناه: أنه تذهب بركة الزمان، فلا يتأتى للرجل في سنة ما كان يتأتى له في شهر، أو يكثر اشتغال الناس واهتمامهم بما يدهشهم من النوازل، ويغفلهم عن مر الزمان، بحيث لا يدرون كيف تنقضي أيامهم ولياليهم، لشدة ما هم فيه”.
ويشرح البيضاوي قوله صلى الله عليه وسلم (وتكون الساعة كالضرمة بالنار) بقوله: “أي: كزمان إيقاد الضرمة، وهي ما يوقد به النار أولاً كالقصب والكبريت”. وهذا تشبيه بليغ لسرعة الاشتعال والانطفاء، تماماً كما تضيع ساعاتنا اليوم في توافه الأمور.
لصوص الوقت في رمضان: وسائل التواصل الاجتماعي
إذا أردنا أن نطبق كلام الإمام البيضاوي عن “الاشتغال بما يدهش ويغفل عن مر الزمان” على واقعنا، فلن نجد أعظم من وسائل التواصل الاجتماعي (Social Media). إنها الثقوب السوداء التي تبتلع ساعات الصائمين.
إن الاستخدام الزائد وغير المنضبط لهذه الوسائل هو الصورة العصرية لذهاب بركة الزمان. يدخل المرء لينظر في خبر أو رسالة، فإذا به ينجرف خلف “الخوارزميات” التي صُممت لتأسره، فيمر اليوم تلو اليوم وهو لم يختم جزءاً، ولم يتدبر آية، ولم يطل سجدة.
لقد أصبحت هذه الوسائل هي “قواطع الأعمال” الحقيقية في هذا الزمان، فبينما يتقارب الزمان أصلاً بفعل علامات الساعة، نأتي نحن لنزيد الطين بلة بهدر ما بقي من وقت في متابعة أخبار لا تنفع، ومعارك وهمية، ومحتويات تافهة.
كيف نستعيد بركة الوقت فيما بقي من رمضان؟
إن السعيد حقاً هو من أدرك أن الزمان يطوى، فبادر بطيِّ صحائفه بالصالحات. إليك خطوات عملية لاستعادة البركة فيما بقي من الشهر الكريم:
1. المجاهدة والزجر الذاتي: إذا عجزت عن ضبط نفسك طوال العام، فلا أقل من أن تزجرها في هذه الأيام الفاضلة. قل لنفسك: “إنما هي أيام معدودات، ولن تضيع الدنيا إذا غبتُ عن المنصات الرقمية”.
2. تحديد ساعات الاستخدام: اجعل لوسائل التواصل وقتاً ضيقاً جداً، واجعل الأصل هو الانشغال بالقرآن والذكر.
3. استحضار نية الاغتنام: كلما شعرت بتسارع الوقت، تذكر حديث (تقارب الزمان) واعلم أن هذا دافع للعمل لا لليأس.
4. التركيز على الكيف لا الكم: بما أن البركة قد قلت، فاجتهد في إحضار قلبك في ركعتين خاشعتين، أفضل من صلاة طويلة بقلب ساهٍ.
5. الابتعاد عن القواطع: حدد ما هي الأشياء التي تسرق وقتك (مجالس الغيبة، السهر الضار، التصفح العشوائي) وابتعد عنها فوراً.
خاتمة: نداء للمقصرين والمجتهدين
مضى الاثنا عشر يوماً الأولى، وهي شاهدة لنا أو علينا. إن رمضان يشدُّ رحاله، والزمان يطوي بساطه، فمن كان قد أحسن فيما مضى فليتمَّ وليستبشر، ومن كان قد فرَّط وقصَّر -وكلنا ذاك الرجل- فليعلم أن العبرة بالخواتيم، وأن ما بقي من الشهر فيه ليلة هي خير من ألف شهر.
لا تترك زمانك يتقارب حتى يطبق عليك وأنت غافل، بل اجعل من سرعة الأيام دافعاً لسرعة الإنابة. تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة التي تكون كالضرمة بالنار، ولا تجعل عمرك يحترق في غير طاعة الله.
اللهم بارك لنا فيما بقي من رمضان، وأعنا فيه على الصيام والقيام وغض البصر وحفظ اللسان، واجعلنا ممن يغتنمون الأوقات قبل فوات الآوان.

اترك تعليقاً