سرقة رمضان: كيف يغتال الإعلام روحانية الشهر الكريم؟

# سرقة شهر رمضان: هل نتركهم يغتالون روحانية خير الشهور؟

مقدمة: جوهر الصيام ومقصد المتقين

من المُجْمَع عليه بين أهل العلم سلفاً وخلفاً، أن من الثمار اليانعة لصيام شهر رمضان المبارك أن يزداد الحس الإيماني عند الصائم عمقاً ورهافةً، وأن تصفو نفسه عن ذي قبل وتغدو أسرع استجابةً لأحكام دينه، وأشد نفوراً من دواعي الخلل والانحراف. إن هذا الشهر ليس مجرد انقطاع عن الطعام والشراب، بل هو رحلة سماوية ترتقي فيها الروح لتلامس آفاق الطهر والعفاف، وتتخلص من أدران المادة وضجيج الشهوات.

وكل هذه العناوين السامية قد جاءت موجزة بليغة معبرة بلغة لا ترقى إلى بلاغتها لغة، لأنها كلام العلي القدير عز وجل؛ حيث قال سبحانه في محكم التنزيل: {يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [سورة البقرة: الآية 183]. إنها “التقوى”، تلك الغاية العظمى والجائزة الكبرى التي يخرج بها المؤمن من مدرسة الثلاثين يوماً، محصناً بنور الله، قوياً في مواجهة فتن الدنيا.

رمضان مدرسة الصبر وميدان الفلاح

ما من مسلم يصوم رمضان إيماناً واحتساباً إلا ذاق حلاوة التقوى تلك، فالشهر الكريم مدرسة للصبر والتزود من خشية الله والمنافسة في الخيرات. هو تلك الفرصة السنوية الذهبية لمراجعة النفس وتصويب السلوك، وترويح القلوب وتقويم العوج الذي قد يطرأ على المسلم طوال العام. في رمضان، يجد المؤمن نفسه مدفوعاً بقوة إيمانية نحو الصلاة والقيام وتلاوة القرآن، حيث تسكن الجوارح وتخشع الأفئدة.

وعلى مستوى الأمة، لم يكن رمضان يوماً شهر خمول أو استرخاء، بل كان دائماً شهراً متميزاً في قرون تميزها؛ أنجزت فيه الفتوحات الرائعة، وكتب الله لها النصر في محطات فاصلة وحاسمة من تاريخ البشرية. بدءاً بغزوة بدر الكبرى التي فرقت بين الحق والباطل، ثم فتح مكة الذي طهر بيت الله من الأوثان، ومروراً بموقعة حطين البهية التي أعادت للقدس كرامتها. بل إن النصر اليتيم الذي حققه العرب على الصهاينة في حرب نظامية تم في شهر رمضان 1373 للهجرة (1973م)، مما يؤكد أن هذا الشهر هو رمز للعزة والانتصار لا للتواكل والانكسار.

الغزو التغريبي ومحاولات مسخ الهوية

غير أن أعداء الأمة وأدواتهم التغريبية ممن يتسمون بأسمائنا ويتكلمون بلساننا، يسعون دائماً إلى مسخ الإسلام وتشويهه، بعد أن يئسوا من استئصاله من صدور المؤمنين. فهم لم يتوقفوا عند دعوتهم الهدامة إلى حصر الإسلام في نطاق التعبد المحض (من صلاة وصيام) بعيداً عن واقع الحياة، بل تراهم اليوم يبذلون أقصى طاقاتهم لمسخ العبادات نفسها، التي يتظاهرون بأنهم يقبلون بها!!

فالحقيقة المرة هي أنهم يبغضون حتى العبادات بمعناها الضيق، لأنهم لمسوا بقاء تأثيرها العميق في أجيال سابقة، رغم كل محاولات تزييف وعيها في فترات التسلط التغريبي المعزز بمحاصرة الدين ودعاته وتجهيل العامة بأسسه ومبادئه. إنهم يدركون أن رمضان هو المحطة التي يشحن فيها المسلم طاقته الإيمانية، لذا قرروا أن تكون معركتهم الكبرى داخل هذا الشهر الفضيل.

من الفساد العام إلى الاستهداف الممنهج لرمضان

إنها ليست نظرية تآمرية كما يحلو للقوم نعت كل من يميط اللثام عن مكرهم ويعرّي خبثهم ويهتك ستر مخططاتهم، بل هي واقع لم يعد خافياً على ذي عينين. فلقد كان علمانيو الأمس أقل دهاءً من حفدتهم في الوقت الحاضر؛ حيث كان الأولون منذ نصف قرن ينشرون الفساد على مدى السنة كلها، لكنهم يمنحونها إجازة في شهر رمضان احتراماً -ولو صورياً- لقدسية الشهر.

أما شر خَلَف لشر سَلَف، فقد تجاوزوا مرحلة تعميم الفساد ونشر المجون على مدار العام من دون استثناء رمضان، وبلغوا ما هو أشد سوءاً إذ راحوا يخصون شهر الصيام بأسوأ ما في جعبتهم من أذى وتهتك. لقد صار رمضان في وسائل إعلام هؤلاء موسماً لموبقاتهم، حيث تُسخر المليارات لإنتاج ما يهدم القيم ويزلزل العقائد.

بالأرقام: كيف تُسرق ساعات الرحمة؟

لقد تحول رمضان في أجندة هؤلاء إلى موسم للمسلسلات الهابطة والبرامج التي تقوم على بث الشبهات والتشكيك في قطعيات الدين من طرف، وعلى الهزء بالخير والافتراء على العلماء والدعاة بذريعة النقد من طرف آخر، وهي ذريعة كاذبة خاطئة تهدف لتجريد المجتمع من قدواته.

أفليس مما يؤكد دعوانا أن منابر الشر والأذى تلك، قد حشدت لشهر رمضان الحالي زهاء 125 مسلسلاً رديئاً بكل المعايير الشرعية والأخلاقية؟ إن هذا الرقم يعادل 70% من إجمالي المسلسلات التي يتم إنتاجها في السنة كاملة! وبعبارة أخرى:

  • نصيب كل شهر من شهور السنة (غير رمضان) هو حوالي 4 مسلسلات فقط.
  • في حين تقفز حصة شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار إلى 125 مسلسلاً!

لماذا هذا التكديس المتعمد في هذا الشهر بالذات؟ الجواب واضح: إنهم يريدون إشغال الصائم عن صلاته وقرآنه، وإغراق الأسرة المسلمة في دوامة من القصص الهابطة التي تروج للخيانة، والعنف، والتمرد على قيم الفطرة.

واجب الوقت: التصدي للمنكر وحماية الجيل

فإذا تبين للجميع حجم المؤامرة ومداها وعمقها وخطرها، فإنه قد آن الأوان لكي ننهض أفراداً وجماعاتٍ، بواجب التصدي لهذا المنكر العظيم بالوسائل المشروعة. إن بقاءنا في مقاعد القاعدين نكتفي بالمشاهدة والتذمر هو مشاركة ضمنية في كيد الأعداء، وتمكين لهم من رقاب أبنائنا وعقول شبابنا.

لا يكفي أن نتذمر وننكر بقلوبنا ونحن نفتح شاشاتنا لمجرمين ذوي قلوب عليلة يمررون منكراتهم ويروجونها أمام ناظرينا. إن المواجهة تتطلب خطوات عملية وحازمة:

1. تكوين رأي عام متماسك: يجب أن يعلو صوت العقلاء والغيورين لرفض هذا العبث الإعلامي ووضع حد له.
2. الضغط الأدبي والقانوني: توجيه الرسائل والاحتجاجات للجهات الرسمية التي تغض بصرها عن هذا الانفلات الأخلاقي.
3. مقاطعة الداعمين: الضغط على التجار والشركات التي تدعم هذه البرامج بأموال الإعلانات، فدرهمك هو سلاحك.
4. توعية الساذجين: تحذير من ينجرون وراء المسابقات الوهمية والبحث العبثي عن أموال السحت التي يُستدرجون إليها تحت مسميات براقة، وهي في الحقيقة فخاخ لتدمير الهوية.

خاتمة: نداء إلى الغيورين

إن شهر رمضان أثمن من أن يضيع أمام شاشة، وأغلى من أن يسرقه شذاذ الآفاق. إنه موعدك مع الله، ومحطتك للتغيير، ومنطلقك نحو الجنة. فلا تكن شريكاً في ضياعه، واحفظ صيامك وصيام أهلك من هذا الغزو الممنهج.

ألا هل بلَغنا.. اللهم فاشهد. نسأل الله أن يحفظ علينا ديننا، وأن يرد كيد الكائدين في نحورهم، وأن يجعلنا ممن يصوم رمضان ويقومه إيماناً واحتساباً.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *