# سر الفتوح الربانية: كيف يبلغ العبد مراتب الرسوخ في العلم والعمل؟
مقدمة: ما وراء السطور والكتب
إن المتأمل في أحوال السالكين إلى الله، والناظر في سِيَر العلماء الربانيين والمصلحين الذين وضع الله لهم القبول في الأرض، يدرك يقيناً أن هناك سراً خفياً يتجاوز حدود الأوراق والكتب، وقوةً معنوية تمدُّ العبد بمددٍ لا ينقطع. إنها قضية “الفتح الرباني” و”المراتب العالية” التي لا تُنال بمجرد الجهد البشري المحض، بل هي هباتٌ إلهية ومنحٌ ربانية يختص الله بها من يشاء من عباده الصادقين.
كثيرون هم الذين يقرؤون، وكثيرون هم الذين يحضرون مجالس العلم، ولكن شتان بين من يحمل العلم في صدره كأنه وقرٌ عليه، وبين من يتفجر العلم من قلبه نوراً يضيء له وللناس الدروب. في هذا المقال، نبحر في أعماق النفس المؤمنة لنكشف كيف يصنع الإيمان فارقاً في الفهم، وكيف تحول العبادةُ طالبَ العلم من مجرد ناقلٍ للمعلومات إلى راسخٍ في المعارف.
المراتب العالية ونور القلوب
في كل علمٍ من العلوم الشرعية، وفي كل عملٍ صالحٍ يتقرب به العبد إلى مولاه، توجد مرتبةٌ عالية، قمةٌ سامقة لا يصل إليها العبد إلا بفتحٍ خاص من الله سبحانه وتعالى. هذه المرتبة ليست مجرد تراكم معرفي، بل هي حالة من الاتصال القلبي يفيض الله فيها على عبده من أسرار فهمه ما لا تدركه الأبصار ولا تحيط به العبارات.
إن فقه الأسماء الحسنى، وحب الله، والخوف منه، هي مقاماتٌ إيمانية جليلة. يحصل العبد أصولها من خلال كثرة الذكر، والقراءة المتدبرة في معاني الأسماء الحسنى وآثارها في الكون والنفس. هذا هو الجهد البشري المطلوب، وهو الباب الذي يطرقه العبد. ولكن، هناك مرتبة وراء ذلك، مرتبة اليقين الذي يملأ القلب طمأنينة، والمحبة التي تستغرق الوجدان؛ هذه المرتبة هي “نورٌ يقذفه الله في قلب العبد”. هو نورٌ يكشف للعبد حقائق الأشياء، ويجعل لأسماء الله الحسنى في قلبه وقعاً يغير مجرى حياته، فلا يرى في الكون إلا آثار رحمة الله، ولا يشعر في الشدة إلا بلطف الله.
قضايا الإصلاح بين التنظير والهداية الإلهية
عندما نتحدث عن الإصلاح، سواء كان إصلاحاً للنفس أو للمجتمع، فإننا نتحدث عن مسارٍ شاق يتطلب بصيرة نافذة. إن أصل قضايا الإصلاح، ومنطلقاتها، ووسائلها، تؤخذ من الكتب والمحاضرات وتجارب المصلحين السابقين. هذا هو الجانب التعليمي والمهاري في عملية الإصلاح.
لكن الدرجات العالية في الإصلاح، والقدرة على التأثير الحقيقي في القلوب، وتغيير واقع الناس نحو الأفضل، هي في حقيقتها “هداية إلهية”. إن المصلح الذي يوفقه الله ليس هو الأكثر فصاحة دائماً، ولا هو الأكثر امتلاكاً للأدوات المادية، بل هو الذي سدده الله، وألهمه الحكمة، وجعل لكلامه قبولاً. إن الهداية الإلهية هي التي تجعل الكلمة البسيطة تفتح قفلاً في قلبٍ عاتٍ، وهي التي تجعل المشروع الصغير يثمر أمةً كاملة. فمن اعتمد على خططه ومحاضراته وُكل إليها، ومن اعتمد على هداية الله فُتحت له الأبواب الموصدة.
الرسوخ في العلم: توفيقٌ لا مجرد تحصيل
يظن البعض أن الرسوخ في العلم هو نتيجة حتمية لعدد الساعات التي يقضيها المرء بين الكتب، أو عدد الدروس التي يحضرها عند المشايخ. والحقيقة أن أصل العلم وبداياته تُؤخذ فعلاً من بطون الكتب ومن أفواه العلماء، وهذا هو السبيل الشرعي لطلب العلم.
إلا أن “الرسوخ في العلم” -وهو تلك الحالة التي يصبح فيها العلم ملكةً راسخة، وقدرةً على استنباط الأحكام، وفهماً عميقاً لمقاصد الشريعة- هو “توفيقٌ رباني” محض. الرسوخ هو الثبات عند الشبهات، والوضوح عند المدلهمات. إن الراسخين في العلم هم الذين لم يكتفوا بجمع المعلومات، بل زكوا أنفسهم بالعمل بما علموا، فكافأهم الله بأن ثبت العلم في قلوبهم وجعله حجةً لهم لا عليهم. إن التوفيق الرباني هو الذي يحول العلم من معلومات جافة إلى بصيرة نافذة تفرق بين الحق والباطل.
أثر العبادة والإيمان في فهم العلم
من الأخطاء الشائعة في عصرنا الحالي، الفصل بين الجانب التعبدي والجانب المعرفي. واهمٌ جداً من ظن أن أثر العبادة والإيمان يقتصر فقط على قبول العمل في الآخرة، وأن تحصيل العلم وإتقانه هو عملية عقلية بحتة تعتمد على الذكاء والحفظ!
إن للعبادة والإيمان أثراً جوهرياً ومباشراً في فهم العلم والانتفاع به. القلب الموصول بالله، المداوم على الطاعات، هو قلبٌ مجلوٌّ من ران المعاصي، مما يجعله أكثر قابلية لاستقبال أنوار العلم. العبادة تورث التقوى، والتقوى هي مفتاح العلم، كما في الإشارات القرآنية التي تربط بين التقوى والتعليم الإلهي.
عندما يسجد العبد لله بإخلاص، وعندما يخلو بمولاه في جوف الليل، فإن الله يفتح عليه من الفهم في آيةٍ قرأها أو حديثٍ حفظه ما لا يمكن أن يحصله في سنوات من البحث النظري المجرد. إن الإيمان يمنح الباحث والمؤمن زاوية رؤية مختلفة، يرى بها الحكمة من وراء الأحكام، والجمال في طيات التكاليف.
وهم الاكتفاء بالكتب ومجالس العلم
إن الاعتقاد بأن تمام العلم يحصله المرء فقط من الكتب ومجالس العلم هو اعتقادٌ قاصر. نعم، الكتب هي الأوعية، والمجالس هي المفاتيح، ولكن المحتوى الحقيقي للعلم هو ثمرته وعمق نفوذه في النفس.
إن العلم الذي لا يصحبه إيمانٌ يزكيه، وعبادةٌ تثبته، قد يتحول إلى وبالٍ على صاحبه، فيصبح حجاباً بينه وبين الله، أو وسيلة للمراءاة والجدال. إن العلم الحقيقي هو الذي يورث الخشية، والخشية لا تأتي من مجرد قراءة الأسطر، بل من ملامسة القلب لعظمة الخالق من خلال العبادة الصادقة.
لقد كان السلف الصالح يربطون دائماً بين العمل والعلم، فكانوا يقولون: “كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به”. هذا الربط هو الذي أخرج للأمة علماء لم يكونوا مجرد موسوعات متحركة، بل كانوا منارات هدى، يفيض العلم من وجوههم قبل ألسنتهم.
مراتب الفتح الإلهي: كيف نصل إليها؟
إن الوصول إلى هذه المراتب العالية والفتوح الربانية يتطلب من العبد سلوك طريقين متوازيين:
1. طريق الأسباب الظاهرة: وهو الجد والاجتهاد في الطلب، والقراءة، والبحث، وملازمة العلماء، وفهم معاني أسماء الله وصفاته، ودراسة قضايا الإصلاح بعمق.
2. طريق الأسباب الباطنة: وهو الانكسار بين يدي الله، وكثرة الافتقار إليه، والمداومة على ذكره، وتجريد الإخلاص له، واليقين بأن العلم والفتح هما محض فضلٍ منه سبحانه.
عندما يجتمع الاجتهاد في الطلب مع صدق الإقبال على الله بالعبادة، يتهيأ القلب لاستقبال ذلك “النور الإلهي”. حينها، يجد العبد نفسه يفهم ما لم يكن يفهم، ويستنبط ما كان عنه غائباً، ويجد لعمله وإصلاحه أثراً يباركه الله ويضاعفه.
خاتمة: العلم نور والتقوى سراجه
في الختام، يجب أن ندرك أن الرحلة إلى الله والرسوخ في دينه ليست سباقاً في مضمار الذكاء الفطري فحسب، بل هي رحلة أرواحٍ تطلب القرب من بارئها. إن الفتح الرباني هو الجائزة الكبرى لكل طالب علم صادق، ولكل مصلح مخلص، ولكل عابد منيب.
فلا تقف عند حدود الأوراق، ولا تظن أنك بجمع الكتب قد حزت العلم، بل اجعل لقلبك نصيباً من خلوات المناجاة، ولجوارحك نصيباً من كدح العبادة، وسل الله دائماً أن يقذف في قلبك نوراً يبصرك بالحقائق، وأن يرزقك الرسوخ الذي لا تزعزعه العواصف. فالعلم ليس بكثرة الرواية، إنما العلم نورٌ يقذفه الله في القلب، وبهذا النور تُفتح مغاليق الفهم، وتُبلغ أعلى مراتب المجد في الدنيا والآخرة.

اترك تعليقاً