# سعة رحمة الله تعالى: فيوضات الأمل في عالم القنوط
مقدمة: في رحاب اسم الله الرحمن
إنَّ الحديث عن رحمة الله تعالى ليس مجرد كلمات تُسطر أو عبارات تُلقى، بل هو الغوص في بحرٍ لا ساحل له، وهو الوقوف على أعتاب أعظم صفةٍ اتصف بها رب العالمين وجعلها سباقةً لغضبه. إننا في كنف إلهٍ رحيم، كتب على نفسه الرحمة قبل أن يخلق الخلق، وجعل من هذه الرحمة ملاذاً للخائفين، وملجأً للمذنبين، ونوراً يستضيء به السائرون في دروب الحياة الموحشة. إن إدراكنا لمدى سعة هذه الرحمة هو المفتاح الحقيقي لتحقيق الطمأنينة النفسية والسكينة الروحية التي يبحث عنها الإنسان في كل زمان ومكان.
النص النبوي الشريف: مائة رحمة وسعت الوجود
لنقف بتأملٍ وإجلال أمام هذا الحديث العظيم الذي يفتح آفاق العقل والقلب على حقيقةٍ مذهلة، قال ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَومَ خَلَقَها مِائَةَ رَحْمَةٍ، فأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأَرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً».
هذا النص النبوي ليس مجرد إخبار عن عدد، بل هو رسمٌ توضيحي لعظمة الخالق وتقريبٌ للأفهام البشرية القاصرة عن استيعاب المطلق. فالله عز وجل، الذي لا يحده زمان ولا مكان، أراد لنا أن ندرك شيئاً من فيض كرمه، فقسم رحمته إلى مائة جزء، جعل لنا منها نصيباً واحداً في هذه الدنيا، وادخر الباقي ليومٍ نحن فيه أحوج ما نكون إلى عطفه وعفوه.
تأملات في “الرحمة الواحدة”: أثرها في الكون
حاول أيها القارئ الكريم أن تجمع الخلق كله في ذهنك، وتفكر في مظاهر رحمتهم وتراحمهم. انظر إلى هذا العالم الفسيح، منذ أن خلق الله آدم إلى قيام الساعة، وتأمل في كل لحظة عطف، وكل لمسة حنان، وكل دمعة شفقة جرت على وجه الأرض.
أولاً: رحمة الأمومة.. تجلٍ بسيط من فيض إلهي
لو جمعت رحمة الأمهات اللاتي في مدينتك، تلك الرحمة التي تجعل الأم تسهر الليالي بجانب طفلها المريض، وتؤثره على نفسها بالطعام واللباس، وتفتديه بروحها دون تردد، لخرجت بمخزون من الرحمة يهز الوجدان. فلو وسعت الدائرة، وجمعت معها رحمة الصالحين والأولياء في مدينتك فقط، الذين يرقون لحال الضعيف ويواسون المنكسر، لما استوعب فكرك هذه الرحمة المتراكمة.
ثانياً: الرحمة في عالم الإنس والجن
تخيل الآن أن هذه الرحمة لا تقتصر على البشر فحسب، بل تشمل الجن أيضاً، بكل ما فيهم من عواطف ومشاعر. تخيل الخلق كلهم؛ الإنس، والجن، يشتركون في رحمة واحدة. هذه الرحمة هي التي تجعل القوي يحنو على الضعيف، والغني يعطف على الفقير، وهي التي تزرع الألفة في قلوب المتخاصمين.
ثالثاً: الرحمة في عالم الحيوان والطير والأسماك
انتقل بذهنك إلى الغابات والبحار وأعالي الجبال. انظر إلى الطير كيف يبسط جناحيه على فراخه ليحميها من البرد والعدو، وانظر إلى الوحوش الضارية كيف ترفع حوافرها عن صغارها خشية أن تصيبها بأذى. انظر إلى الأسماك في أعماق المحيطات وكيف ترعى ذريتها. كل هذا التراحم الكوني، من أصغر نملة إلى أكبر حوت، ومن أشرس حيوان مفترس إلى أرق طائر مغرد، هو جزء من تلك “الرحمة الواحدة” التي أرسلها الله في خلقه.
سؤال للتفكر: فكم تكون سعة هذه الرحمة؟
إذا كانت رحمة واحدة قد ملأت الأرض حناناً، وجعلت الكائنات تعيش في وئام، وجعلت الأم تضحي بحياتها، فكم تكون سعة هذه الرحمة الإجمالية؟ ولو ضربت هذه الرحمة بمئة فكم ستكون السعة؟
إننا هنا أمام شيء لا يمكن تخيله؛ فرحمة الله أوسع من خيالنا وعقولنا المحدودة. إن العقل البشري مهما أوتي من قدرة على التحليل والتصور، يقف عاجزاً ومنبهراً أمام هذا الفيض الإلهي. يكفينا يقيناً أنه سبحانه أرحم بنا من أمهاتنا، فكيف وهو أرحم من أمهات الكون كله بأضعاف مضاعفة؟! إن رحمة الأم بطفلها هي قطرة في محيط رحمة الله بعبده، بل هي أقل من ذلك بكثير.
التسعة وتسعون رحمة: كنوز الآخرة المذخورة
إن المؤمن حين يقرأ هذا الحديث، يمتلئ قلبه رجاءً في لقاء الله. فإذا كان الله قد غمرنا برحمة واحدة في دار الدنيا، وهي دار الابتلاء والتمحيص، فكيف سيكون الحال في دار الجزاء والخلود؟
لقد ادخر الله عز وجل تسعة وتسعين جزءاً من رحمته ليرحم بها عباده يوم القيامة. ذلك اليوم الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، ويفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه. في ذلك الموقف العصيب، تتجلى رحمة الله تعالى بأبهى صورها، حيث يشفع الشافعون، ويتجاوز الله عن السيئات، ويدخل الجنة من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان.
لماذا نيأس؟ رسالة إلى كل مقصر ومذنب
بناءً على هذا التصور العظيم لـ رحمة الله تعالى، يبرز تساؤل جوهري: لماذا اليأس؟ ولماذا القنوط من روح الله؟
1. الخطأ والتقصير: نحن بشر، والنقص يعترينا، والخطأ يلاحقنا، ولكن الفرق بين المؤمن وغيره هو الثقة برحمة الله. مهما وقع منك من خطأ، ومهما بلغت ذنوبك عنان السماء، تذكر أنك تتعامل مع ربٍ يمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة.
2. فتح باب التوبة: إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل. هذا الكرم الإلهي نابع من سعة رحمته التي سبقت غضبه.
3. الاستغاثة بالرحمة: علينا أن نُقبل عليه سبحانه، ولا نيأس مهما تكرر منا التقصير، ونستغيث برحمته أن يصلح شأننا كله. فمن استجار برحمة الله أجارَه، ومن طلب العفو وجده.
كيف نستجلب رحمة الله في حياتنا؟
إن إدراك سعة رحمة الله يتطلب منا عملاً وسلوكاً يعكس هذا الإيمان. ولكي نكون أهلاً لهذه الرحمة، يجدر بنا اتباع الآتي:
- تراحموا ترحموا: إن الجزاء من جنس العمل، فمن رحم من في الأرض رحمه من في السماء. كن رحيماً بالفقراء، باليتامى، وحتى بالحيوانات.
- كثرة الاستغفار: الاستغفار هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ويستنزل رحمات علام الغيوب.
- الإخلاص في الدعاء: نادِ ربك باسمه “الرحمن الرحيم”، واستحضر في قلبك أنك تسأل من بيده ملكوت كل شيء ومن وسعت رحمته كل شيء.
- حسن الظن بالله: لا تظن بربك إلا خيراً، وتيقن أنه يريد بك اليسر ولا يريد بك العسر، وأنه أرحم بك من نفسك التي بين جنبيك.
الخاتمة: العودة إلى كنف الرحيم
ختاماً، إن سعة رحمة الله تعالى هي الملاذ الآمن الذي نأوي إليه حين تضيق بنا السبل، وهي الأمل الذي يضيء لنا عتمة الدروب. إننا مدعوون اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أن نجدد إيماننا بهذه الرحمة، وأن نجعلها دافعاً لنا للعمل الصالح، والابتعاد عن الخطايا، والتقرب إلى الله بقلوب خاشعة.
تذكر دائماً ذلك الميزان الإلهي: رحمة واحدة في الدنيا، وتسعة وتسعون في الآخرة. فاجعل رجاءك في الله كبيراً، وثقتك بعفوه مطلقة، واستغث برحمته دائماً قائلاً: “يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين”. إن من أدرك هذه الحقيقة عاش ملكاً في نفسه، مطمئناً في قلبه، ومستبشراً بمستقبله في الدنيا والآخرة.

اترك تعليقاً