لطالما اعتُبر البروفيسور نعوم تشومسكي أيقونةً للنقد الجذري، والصوت الذي لا يهدأ في تعرية آليات الهيمنة والفساد التي تمارسها النخب العالمية. لكن، وفي تحول درامي لم يكن يتخيله أشد خصومه، ظهرت صورة مغايرة تماماً: تشومسكي، المفكر الراديكالي، جالساً في جلسة خاصة وهادئة مع جيفري إبستين، الرجل الذي ارتبط اسمه بأظلم شبكات النفوذ والفساد الأخلاقي في العصر الحديث.
هذا اللقاء لم يكن مجرد عثرة عابرة، بل كان زلزالاً رمزياً ضرب صورة "المثقف المعصوم" في الوعي الجمعي، فاتحاً الباب أمام تساؤلات عميقة حول المسافة بين النظرية النقدية والممارسة الشخصية.
خبايا السجلات: لقاءات ما بعد الإدانة
في نهاية عام 2023، ومع الإفراج عن دفعات جديدة من الوثائق المرتبطة بملف إبستين، لم يعد اسم تشومسكي مجرد ذكر هامشي. كشفت السجلات عن لقاءات متكررة ومنظمة، والصادم في الأمر أن بعض هذه اللقاءات تم بعد إدانة إبستين الأولى عام 2008 بتهم جرائم جنسية بحق قاصرات.
لم تكن هذه الاجتماعات "صدفة" في ممر أكاديمي، بل كانت لقاءات تضمنت نقاشات حول:
- السياسة العالمية ووسائل الإعلام.
- ترتيبات مالية وتقنية معقدة.
- تنسيق لقاءات مع شخصيات أكاديمية أخرى.
التناقض الرمزي: عندما يجلس "المشرح" مع "الورم"
تكمن الصدمة الحقيقية في التناقض الصارخ؛ فتشومسكي هو صاحب نظرية "تفكيك السلطة" ومنظر "صناعة الموافقة"، الذي قضى عقوداً يشرح كيف تتواطأ النخب المالية والسياسية للسيطرة على العالم. أن يظهر هو نفسه داخل "مطبخ الهيمنة" الخاص بإبستين، يطرح تساؤلاً أخلاقياً جوهرياً: هل يمكن للمثقف أن يفصل بين فكره النقدي وسياق علاقاته الشخصية؟
رد تشومسكي: ما بين الغرور الأكاديمي والعمى الرمزي
عندما واجهت الصحافة تشومسكي بهذه الحقائق، جاء رده حاداً ومقتضباً: "الأمر شأن خاص ولا يخصكم". هذا الرد لم ينهِ الجدل، بل عمقه، واضعاً المتابع أمام فرضيتين:
- الغرور الأكاديمي (Intellectual Hubris): حيث يرى المثقف نفسه فوق مستوى المساءلة، ممتلكاً "حصانة أخلاقية" تسمح له بالتعامل مع أي شخص دون أن تتلوث سمعته.
- العمى الرمزي: تعامل تشومسكي مع الأمر كـ "لقاء تقني" أو "نقاش فكري" بارد، متجاهلاً أن شخصاً مثل إبستين يستخدم هذه اللقاءات كأداة لـ "غسيل السمعة" واكتساب شرعية من خلال القرب من الرموز الفكرية الكبرى.
مفارقة "صناعة الموافقة"
في كتابه الشهير "صناعة الموافقة"، علّمنا تشومسكي أن النخب تستخدم أدوات ناعمة لتجميل القبح وتدجين الرأي العام. المفارقة المأساوية هنا هي أن إبستين يبدو وكأنه طبق دروس تشومسكي على تشومسكي نفسه؛ فقد استخدم "الوجاهة الأكاديمية" للمفكر الكبير كغطاء ناعم يحتمي خلفه من نبذ المجتمع.
التبرير المالي.. هل يُعذر الفيلسوف؟
لاحقاً، قدم تشومسكي تبريراً أكثر تفصيلاً، مشيراً إلى أن تواصله مع إبستين كان يتعلق باستشارات تقنية لنقل أموال خاصة بزوجته الراحلة. وهنا يبرز سؤال نقدي: هل يُعقل أن من يشرّح آليات "الشر العالمي" والفساد المالي يختار "إبستين" تحديداً ليكون خبيره المالي؟ هل تذوب الفوارق الأخلاقية عندما تتعلق الأمور بالمصالح الشخصية للنخبة الأكاديمية؟
مأزق "المثقف النبي" في العصر الحديث
يُعد تشومسكي الوريث الأخير لنموذج "المثقف النبي" – ذلك الرمز الذي يمثل الضمير المطلق والبوصلة التي لا تخطئ. لكن قضية إبستين حطمت هذا النموذج، وكشفت عن "عماء طبقي" يصيب حتى الراديكاليين عندما ينغلقون داخل أروقة الجامعات النخبوية (مثل MIT وهارفارد).
**الدروس المستف


اترك تعليقاً