سلاح العلم لا ينكسر.. كيف يواجه التعليم الفلسطيني حرب الإبادة في غزة؟
لطالما اعتبر الفلسطينيون التعليم ركيزة أساسية لوجودهم، وسلاحاً استراتيجياً في معركتهم الطويلة من أجل البقاء. فعلى مدار عقود، نجح المجتمع الفلسطيني في تحقيق واحدة من أدنى معدلات الأمية عالمياً، حيث بلغت نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة نحو 97.9%، وهي معجزة تعليمية تحققت رغم سياسات التضييق والحصار.
التعليم كهدف للاحتلال: محاولات طمس الهوية
لم تكن المسيرة التعليمية الفلسطينية بعيدة عن استهداف الاحتلال، بل كانت في قلب المواجهة. سعت السياسات الإسرائيلية دائماً إلى عرقلة المنظومة التعليمية عبر عدة وسائل:
- القيود الأكاديمية: منع استقدام الأساتذة والخبراء من الخارج لرفع كفاءة الجامعات.
- حظر التكنولوجيا: منع إدخال المعدات المختبرية المتطورة اللازمة للأبحاث والدراسة.
- التدخل في المناهج: محاولات مستمرة لفرض قيود على المحتوى التعليمي الوطني.
- الاستهداف المباشر: قتل واعتقال آلاف الطلاب والكوادر التعليمية، خاصة في الحروب المتتالية.
واقع التعليم في غزة: تدمير ممنهج للبنية التحتية
منذ أكتوبر 2023، تعرض قطاع غزة لحرب مدمرة كان التعليم أحد أبرز ضحاياها. لم تكن المدارس والجامعات مجرد "أضرار جانبية"، بل كانت أهدافاً مباشرة لآلة التدمير:
- إبادة تعليمية: تضرر أو تدمر نحو 97% من المدارس والمرافق التعليمية في القطاع.
- شلل الجامعات: خرج 195 مبنى جامعياً من الخدمة من أصل 206 مبانٍ، مما حرم أكثر من 80 ألف طالب جامعي من مقاعدهم.
- خسائر بشرية فادحة: استشهاد أكثر من 21 ألفاً من الطلاب والكوادر التدريسية حتى الربع الأخير من عام 2025.
"دفعة العنقاء": الصمود من تحت الأنقاض
رغم قسوة المشهد، لم يستسلم الفلسطينيون لواقع التجهيل. برزت مبادرات ملهمة تعكس الإصرار على مواصلة المسيرة التعليمية حتى في أصعب الظروف:
- نموذج الطبيب عز الدين سمير: الذي أتم دراسته في كلية الطب فوق أنقاض مستشفى الشفاء، وأسس مؤسسة "سمير" لدعم طلبة الطب وتوفير منح دراسية للمتضررين.
- التعليم البديل: إنشاء نحو ألف نقطة تعليمية مؤقتة تحت القصف، حيث تحولت الخيام والبيوت المدمرة إلى فصول دراسية.
- تحدي المستحيل: استمرار الامتحانات والمحاضرات داخل المستشفيات ومراكز الإيواء لضمان تخرج دفعات جديدة رغم ندرة الإمكانيات.
رؤية المستقبل: تحديات إعادة البناء والتأهيل
يرى الأكاديميون والخبراء أن العودة إلى المسار التعليمي الطبيعي تتطلب خطة وطنية ودولية شاملة ترتكز على:
- التأهيل النفسي: الأولوية القصوى لإعادة تأهيل الطلاب والمعلمين الذين فقدوا ذويهم وعاشوا ويلات الحرب.
- إعادة الإعمار: بناء المدارس والجامعات وفق معايير حديثة تعوض الفاقد المكاني والزمني.
- الاستثمار في الكادر البشري: الاعتماد على المعلم والإداري الفلسطيني الكفؤ الذي أثبت قدرته على الإبداع في أحلك الظروف.
يبقى التعليم بالنسبة للفلسطينيين أكثر من مجرد تحصيل أكاديمي؛ إنه "جبهة مقاومة" وأداة للحفاظ على الكرامة الوطنية، وهو ما تؤكده المنظمات الدولية مثل "اليونيسيف" التي ترى في شغف الفلسطينيين بالعلم وسيلة للحفاظ على هويتهم واسترداد حقوقهم.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً