سليم البدري في “ليالي الحلمية”: كيف جعلنا يحيى الفخراني نعشق “الشرير” النادم؟

سليم البدري في “ليالي الحلمية”: كيف جعلنا يحيى الفخراني نعشق “الشرير” النادم؟

سليم البدري: سحر التناقض وعبقرية التجسيد في "ليالي الحلمية"

يظل مسلسل "ليالي الحلمية" حجر الزاوية في تاريخ الدراما المصرية، ليس فقط لتوثيقه التحولات السياسية والاجتماعية، بل لقدرة كاتبه الفذ أسامة أنور عكاشة على خلق شخصيات حية تتنفس صراعاً. وبينما نتذكر "علي البدري" بانكساراته، و"أنيسة" بوفائها، يبرز سليم البدري كأكثر الشخصيات تعقيداً وإثارة للجدل.

سليم البدري.. أبعد من مجرد "باشا"

لم يكن سليم البدري، الذي جسده باقتدار الفنان يحيى الفخراني، مجرد قطب أرستقراطي تقليدي. لقد كان بنية إنسانية متشابكة تتحرك في المنطقة الرمادية بين المثالية الموروثة والمصلحة الشخصية المتجذرة.

بينما تميل معظم شخصيات عكاشة إلى الوضوح الأخلاقي الحاد (خير مطلق أو شر مطلق)، نجد سليم البدري يكسر هذا التنميط؛ فهو شخص يدرك عيوبه تماماً، يعتذر بصدق في لحظة الندم، ثم يعود ليرتكب أخطاءً أشد قسوة مدفوعاً بنرجسية طبقية لا ترحم.

عبقرية الأداء: كيف منح الفخراني الروح لـ "سليم"؟

يرجع جزء كبير من سحر الشخصية إلى الأداء العبقري ليحيى الفخراني. لقد استطاع الفخراني أن يمنح سليم البدري أبعاداً إنسانية مذهلة من خلال:

  • الابتسامة الطفولية: التي تومض فجأة لتمحو قسوة قراراته.
  • لغة العيون: التي تعكس إحساساً قاهراً بالذنب قبل أن ينطق بكلمة واحدة.
  • الارتباك الإنساني: حين يقف أمام نتائج أفعاله الكارثية، مما يمنع المشاهد من كراهيته بشكل مطلق.

ازدواجية الأخلاق والواقع المأساوي

تتجلى قسوة سليم البدري في أفعال ترقى لمستوى الجرائم، ومع ذلك يغلفها دائماً بوعي أخلاقي حاد. ومن أبرز محطات انكساره الأخلاقي:

  1. استغلال المقربين: كما حدث مع زوجته الثانية "علية".
  2. التضحية بالعائلة: إيداع أخته "رقية" (عبلة كامل) المصحة النفسية لحماية إرثه وسمعة والده.
  3. الأبوة الغائبة: توفير الرفاهية المادية لأبنائه (علي، عادل، وسليم الصغير) مع عجز كامل عن تقديم الاحتواء العاطفي.

المرايا الدرامية: توفيق البدري وسليمان غانم

لم تتحرك شخصية سليم في فراغ، بل صُقلت من خلال علاقاته بخصومه وأقاربه:

  • توفيق البدري (الضمير): يمثل توفيق (حسن يوسف) المرآة التي تذكر سليم دائماً بأصله غير الأرستقراطي، فهو النسخة المثالية التي كان يمكن أن يكونها سليم لو تخلى عن أنانيته.
  • سليمان غانم (الند): يمثل سليمان (صلاح السعدني) الصراع الطبقي والتاريخي. ومع مرور الزمن، يتحول هذا الصراع من كراهية محضة إلى نوع من الحنين المشترك لزمن ضاعت ملامحه.

الخاتمة: لماذا نرى أنفسنا في سليم البدري؟

إن سر بقاء سليم البدري كأيقونة درامية يكمن في ذلك الصدع الداخلي الذي لا يلتئم. نحن لا نكرهه لأننا نلمح فيه ضعفنا البشري؛ ذلك الجزء الذي يعرف الصواب جيداً، لكنه يختار دائماً الطريق الأسهل لخدمة ذاته. سليم البدري ليس مجرد شخصية في مسلسل، بل هو تجسيد للصراع الأزلي بين ما نريد أن نكونه، وما نحن عليه بالفعل.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *