# سنة الإفطار على الرُّطَب والتمر أو الماء: نور النبوة وشفاء الأبدان
الحمد لله الذي جعل في اتباع سنة نبيه حياةً للقلوب، وصلاحاً للأبدان، وصلاةً وسلاماً دائمين على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي أرشدنا إلى كل خير، وحذرنا من كل شر.
أما بعد، أيها الصائمون المبتغون مرضاة الله، لقد شُرع لنا في ديننا الحنيف هديٌ مبارك عند الإفطار، هديٌ يجمع بين خيري الدنيا والآخرة، ويحقق للصائم مصلحةً محققة في دينه ودنياه، ومعاده ومعاشه. إنها سنة الإفطار على الرُّطَب أو التمر، أو الاعتياض عنهما بالماء عند فقدهما. هذا الخطاب النبوي الشريف ليس مجرد توجيه عابر، بل هو منهج حياة يشمل كل من كان صائماً، سواء كان صيامه فريضةً في رمضان أو نفلاً في سائر الأيام.
مشروعية الفطر على الرُّطَب أو التمر في السنة المطهرة
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحرص على هذا الهدي حرصاً شديداً، ليعلمنا أن في امتثال أوامره مزيداً من الرحمة والرفعة والرضوان. فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: “كان النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم يُفطِر قبل أن يصلي على رُطَبات، فإن لم تكن رطبات فتُمَيرات، فإن لم تكن تميرات حسَا حسَوات من ماء”.
وعن سَلْمان بن عامر يبلغ به النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا أفطر أحدُكم فليُفطِر على تمر؛ فإنه بركة، فإن لم يجد تمرًا فالماء؛ فإنه طهور». فانظروا يا رعاكم الله كيف أرشدنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا التدرج الحكيم: الرطب أولاً، فإن تعذر فالتمر، فإن تعذر فالحسوات المباركات من الماء.
التحذير من إهمال هذه السنة النبوية
ومما يدمي القلب أن نرى الكثيرين اليوم قد أهملوا هذا الهدي وفرطوا فيه، خاصة في تلك الموائد الرمضانية العامرة بما لذ وطاب. يقول العلامة الألباني – رحمه الله – معلقاً على حديث أنس: “الغرض من ذِكْري للحديث مع الإيجاز في التخريج إنما هو التذكيرُ بهذه السنَّة التي أهملها أكثرُ الصائمين، وبخاصة في الدعوات العامة التي يُهيَّأ فيها ما لذَّ وطاب من الطعام والشراب، أما الرُّطَب أو التمر على الأقل فليس له ذِكر، وأنكرُ من ذلك إهمالهم الإفطار على حسوات من ماء!”.
فيا طوبى لمن استمع القول فاتبع أحسنه، ويا فوز من أحيا سنةً قد أُميتت في بيوت المسلمين، فكان من أولي الألباب الذين هداهم الله.
الحكمة البالغة في اختيار التمر والرطب
لا شك أن في الرُّطَب والتمر مواد غذائية متنوعة ونافعة، لا تتهيأ في غيرهما من الثمار. فهما ليسا مجرد طعام، بل هما غذاء للأرواح، وقوت للأبدان، وجلاء للنفوس، وعمارة للقلوب. إن جسم الإنسان الصائم يكون في حالة من الجوع والظمأ، فإذا قدمت له الطعام الثقيل مباشرة، فإنه قد يأكله بكراهة وعناء، وربما تضرر به ولم ينتفع.
أما الرطب والتمر، فهما من المواد القليلة جداً التي تحتوي على خصائص فريدة؛ فهما مكونان من سكريات أحادية سهلة الامتصاص، يستفيد منها الجسم بسرعة فائقة، ويوزعها على الأعضاء المتعطشة للطاقة. وبذلك يحقق الصائم هدفه المنشود بدفع الجوع والعطش بأقل كلفة وأسرع وقت.
إن التمر يشد البدن، ويقوي الكبد، ويلين الطبع، بل إنه الثمر الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يقتات عليه وحده لفترات طويلة دون أن يصيبه وهن. وقد روت السيدة عائشة – رضي الله عنها – لابن أختها عروة قائلة: “إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أُوقِدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نارٌ، فقلتُ: ما كان يُعيِّشكم؟ قالت: الأسودانِ: التمر والماء”.
الطب المعاصر يشهد بنور النبوة
في العصر الحديث، يقف العلم والطب وقفة إجلال أمام هذا الهدي النبوي. يقول الدكتور عبد الباسط محمد السيد: “في إفطارِه صلى الله عليه وآله وسلم على الرُّطَب أو التمر ما يظهر نور النبوة؛ وذلك لأن الصائم يعتمد على ما يوجد بجسمه من سُكَّر، وخاصة المخزون منه في الكبد”.
ويوضح العلم أن السكر الموجود في وجبة السحور يكفي الجسم لست ساعات فقط، بعدها يبدأ الجسم بالسحب من مخزون الكبد. فإذا أفطر الصائم على التمر، وصلت السكريات الأحادية سريعاً إلى الدم ثم إلى المخ والأعضاء، بينما يحتاج الطعام الثقيل إلى ساعتين أو ثلاث حتى يمتص الجسم سكره.
ويضيف الباحث عبد الدائم الكحيل أن الإفطار على التمر هو علاج متكامل للضعف الناتج عن تراكم السموم، فالتمر يقاوم السموم والمعادن الثقيلة، ويطهر الكبد، مما يجعله من أروع الأدوية الطبيعية لصيانة البدن.
الفوائد الصحية والسكينة النفسية
لقد أثبتت الدراسات أن نقص السكر والماء في جسم الصائم هو المسبب الرئيسي للضعف العام واضطراب الأعصاب. والتمر بما يحويه من بروتينات وفيتامينات (مثل تلك التي تقي من البلاجرا) ومعادن كالكالسيوم والفوسفور والحديد، يعتبر الغذاء الأمثل.
ومن عجائب الإعجاز أن التمر يضفي السكينة والهدوء على النفوس القلقة، ويعادل نشاط الغدة الدرقية، مما يؤدي إلى اعتدال المزاج العصبي الذي قد يضطرب لدى البعض أثناء الصيام. أما الماء، فهو نافع جداً للمعدة الخالية، وهو ما قرره النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يقرره الطب الحديث بقرون.
تأملات ابن القيم في هدي الإفطار
لقد أفاض الإمام ابن القيم – رحمه الله – في شرح أسرار هذا الهدي، فقال عن التمر: “وهو مِن أكثر الثمار تغذيةً للبدن… وأكله على الريق يقتُلُ الدود… وهو فاكهة، وغِذاء، ودواء، وشراب، وحلوى”.
وأوضح في كتابه (زاد المعاد) كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، مبيناً أن إعطاء الطبيعة شيئاً حلواً مع خلو المعدة هو أدعى لقبوله وانتفاع القوى به، خاصة حاسة البصر التي تتقوى بحلاوة التمر. أما البدء بالماء، فلأن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبوسة (جفاف)، فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء الذي يليه.
يقول ابن القيم واصفاً هذا التدبير اللطيف: “فإن الحُلوُ أسرع شيءٍ وصولًا إلى الكبد وأحبُّه إليها، ولا سيما إن كان رطبًا فيشتد قبولُها له فتنتفع به هي والقوى، فإن لم يكُنْ فالتمر لحلاوته وتغذيته، فإن لم يكُنْ فحسَوات الماءِ تُطفِئ لهيبَ المعدة وحرارةَ الصوم فتتنبَّه بعده للطعامِ، وتأخُذُه بشهوة”.
دعوة لإحياء السنة
أيها المسلمون، إن بيتاً لا تمر فيه جياعٌ أهله، كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم. فلنجعل من موائدنا إحياءً لسنة نبينا، ولنعلم أبناءنا أن البدء بالتمرات ليس مجرد عادة، بل هو عبادة وطاعة وشفاء.
فطور التَّمر سُنَّه … رسولُ الله سَنَّــهْ
ينالُ الأجرَ عبـدٌ … سيُحيي منه سُنَّهْ
وفي الختام، نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يرزقنا كمال الاتباع لنبيه صلى الله عليه وسلم في الظاهر والباطن، وأن يجعل صيامنا وإفطارنا موافقاً لهديه، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً