سنة التدافع ومصير الوكلاء: دروس وعبر من التاريخ والواقع

نواميس الكون وسنة التدافع الإلهية

إن المتأمل في ملكوت الله، والناظر في تقلبات الدول ومصائر الأمم، يدرك يقيناً أن هذا الكون لا يسير خبط عشواء، بل تحكمه نواميس ثابتة وسنن إلهية لا تتبدل ولا تتغير. ومن أعظم هذه السنن التي جرت بها المقادير: سنة التدافع وسنة التداول. فالتدافع بين الأمم والشعوب، بين الحق والباطل، وبين القوى المتصارعة، هو المحرك الذي يؤدي حتماً إلى تداول الأيام بين الناس؛ فالسيادة المطلقة والسيطرة الدائمة ليست إلا وهماً يداعب خيال الطغاة، إذ مهما طال أمد القوة، فهي عارضة ومؤقتة، ودوام الحال من المحال في شرعة العزيز الجبار.

هذا التدافع يفرز بطبيعته قوى كبرى مهيمنة، وقوى ثانوية تدور في فلكها، تقتات على فتات موائدها، وتظن أن بقاءها مرهون بالالتصاق بظل من تعتقد أنه الأقوى. وفي ظلال الاستقرار الزائف، تبدو العلاقة بين السيد والتابع علاقة منسجمة، حيث تكون المطالب مقدورة، والحماية مكفولة. ولكن، حين تضطرب الأمور وتشتعل نيران الصراعات الكبرى، يتبدل المشهد تماماً، وتنكشف حقيقة هذه التبعية الذليلة.

سيكولوجية التبعية ومأزق الوكيل

عندما تشتد الأزمات وتتصادم القوى العظمى، ترتفع وتيرة المطالب من التابعين. هنا يجد الوكيل نفسه في اختبار عسير لإثبات الولاء المطلق والقدرة الفائقة. فالسيد لا يقبل في هذه المرحلة أنصاف الحلول؛ فإما نجاح باهر يحقق مصالح السيد، وإما فشل يُفسر فوراً بأنه عجز مهين أو خيانة عظمى. في هذه اللحظة الفارقة، يكتشف التابع حقيقته المرة: أنه ليس شريكاً ولا حليفاً، بل هو مجرد أداة وظيفية، تُستخدم ثم تُرمى. هو غير مهم في حالة الفشل، وغير محترم حتى في حالة النجاح؛ إذ يظل في نظر سيده مجرد وسيلة بلغت غايتها.

إن التاريخ والواقع المعاصر يفيضان بالشواهد التي تؤكد أن الغطاء حين يُرفع عن التابع، يُترك وحيداً ليواجه مصيره المحتوم. فالفشل في تحقيق مآرب القوى الكبرى يعني نهاية الصلاحية، ومن ثم تبدأ عملية التخلص من هؤلاء “الفاشلين الصغار”، ونزع الرايات من أيدي الوكلاء المباشرين، بل وقد يصل الأمر إلى تحطيمهم تماماً لاستبدالهم بوجوه جديدة قد تكون أكثر طواعية أو قدرة على التكيف مع المرحلة القادمة.

شواهد العصر: حين يسقط الغطاء عن الفاشلين

نحن نعيش اليوم فصولاً متلاحقة من هذا المسلسل التاريخي المتكرر. انظروا إلى الخرائط المشتعلة من حولنا؛ كيف تهاوت مشاريع كانت تُبنى بالمليارات وتُدعم بالترسانات. ففشل مشاريع خليفة حفتر في ليبيا، وتخبط حميدتي في السودان، وانحسار دور عيدروس الزبيدي في اليمن، وتراجع نفوذ مظلوم عبدي والهجري في سوريا؛ كل هذه الأسماء ليست إلا نماذج لوكلاء وجدوا أنفسهم في مهب الريح حين تغيرت بوصلة المصالح الدولية.

إن الرسالة الواضحة هنا هي أن القوى الكبرى لا تعرف الوفاء، بل تعرف المصالح فقط. وعندما يعجز الوكيل عن حسم الملفات الموكلة إليه، يصبح عبئاً يجب التخلص منه. وما نشهده من ملاحقات أو تجاهل لهؤلاء ليس إلا إيذاناً بانتهاء أدوارهم، وبحثاً عن بدلاء يمتلكون قدرة أكبر على المناورة وتحقيق الأهداف المرسومة في أقبية السياسة العالمية.

مشروع غزة: فخ التوظيف وأوهام السلام

وفي خضم هذه التحولات، تبرز قضية غزة كأحد أعقد الملفات التي تُختبر فيها الولاءات. وما نراه اليوم من محاولات لإقحام أطراف إقليمية، كالإمارات، في إدارة غزة وفق الرؤية الترامبية-النتنياهوية، ليس إلا فصلاً جديداً من فصول التوظيف السياسي. إن تشكيل لجنة لما يسمى بـ “سلام غزة”، والتي تضم شخصيات لصيقة بترامب مثل كوشنر وتوني بلير ومبعوثين ورجال أعمال، يكشف بوضوح عن الزاوية الضيقة التي حُشر فيها هذا المشروع.

إن الهدف الأساسي المعلن هو هدم الأنفاق وجمع السلاح، وهي مهمة تتجاوز القدرات العسكرية والسياسية لأي وكيل محلي أو إقليمي. أما الحديث عن “اللجنة التنفيذية للخدمات الإنسانية”، فهو ليس أكثر من ستار أخلاقي لتمرير المشروع وتجميله أمام الرأي العام. ولذا، فإن إفشال هذه المخططات ليس بالأمر المستحيل؛ فالعالم اليوم يشهد حالة من الفوضى الدولية، حيث تضرب القوى الكبرى عرض الحائط بالقوانين والمؤسسات، كما رأينا في التهديدات باحتلال جرينلاند أو التدخل في فنزويلا. هذا المناخ من الاستعلاء الدولي يجعل من الصعوبة بمكان تشكيل قوة إسناد دولية متماسكة قادرة على فرض واقع جديد في غزة.

تحولات النفوذ والبحث عن وكلاء جدد

إن محاولة إنجاح مشاريع ترامب في المنطقة تقتضي بالضرورة تقديم تنازلات مؤلمة في ملفات أخرى. وهذا يعني التضحية ببعض الوكلاء القدامى؛ فترك “قسد” لمصيرها في سوريا، وملاحقة قادة في اليمن بتهم جرائم اغتيال، هو بمثابة “حرق” لهذه المشاريع بعد انتهاء صلاحيتها. فأمريكا، في سعيها الدائم للحفاظ على هيمنتها، تبحث اليوم عن وكلاء من نوع ثقيل، وتحلم بإعادة توظيف قوى إقليمية كبرى مثل تركيا وإيران ضمن منظومتها.

أما ما يتردد عن تحالف رباعي يضم تركيا وإيران والسعودية وباكستان، فهو الكابوس الذي يقض مضاجع الإدارة الأمريكية. إن مثل هذا التحالف، لو قُدر له النجاح، سيعني تحرر دول وازنة كالسعودية وباكستان من ربقة النفوذ الأمريكي، وتكوين كتلة إقليمية تمتلك مظلة نووية وقوة اقتصادية وعسكرية هائلة. وهذا يفسر الحساسية الشديدة التي تتعامل بها واشنطن مع المنطقة؛ فسقوط مشروع ترامب في غزة لن يكون مجرد فشل سياسي عابر، بل قد يمثل بداية النهاية للسيطرة الصهيونية على السياسة الغربية، وإيذاناً بانهيار منظومة الهيمنة القديمة.

ابن العلقمي: مرآة الخيانة وعاقبة الغدر

ولكي نفهم مآلات الخيانة والتبعية، يجب أن نستحضر من ذاكرة التاريخ قصة “ابن العلقمي”، وزير الخليفة العباسي الذي خان أمانته وظن أن ارتماءه في أحضان التتار سيرفع من شأنه أو يحقق مآربه الطائفية. لقد سهل ابن العلقمي لهولاكو احتلال بغداد وتدمير حواضر الإسلام، معتقداً أنه سيكون السيد المطاع في ظل الغزاة.

ولكن، ما الذي حصل؟ إن الخائن لا يذوق طعم العزة أبداً، ولا يثق به حتى من خانه لصالحهم. يصور لنا الإمام الذهبي حاله بكلمات تقطر أسى، حيث يقول: “وكان في قلبه غِلّ على الإسلام وأهله، فأخذ يُكاتب التتار، ويتَّخذ عندهم يدًا ليتمكّن من أغراضه الملعونة. وهو الذي جرَّأ هولاكو وقوَّى عَزْمه على المجيء، وقرَّر معه لنفسه أمورًا انعكست عليه، وندم حيث لا ينفعه الندم”.

لقد انتهى به المطاف ذليلاً، يتنقل على فرس ضعيف، حتى رأته امرأته فصاحت به موبخة: “يا ابن العلقمي! أهكذا كنت تركب في أيام أمير المؤمنين؟!”. وولي الوزارة للتتار بالمشاركة مع غيره، فلم يهنأ بجاه، ولم يطل به عمر، بل مات غماً وغبناً وندماً. إنها العبرة الخالدة: أن من باع دينه وأمته لعدوه، لم يربح دنيا ولا ديناً، وبقي في صفحات التاريخ وصمة عار لا تُمحى.

الختام: تجارة النفس في سوق الآخرة

في نهاية المطاف، يجب أن ندرك أن كل إنسان في هذه الحياة هو في حالة سعي دائم، وكلٌّ يغدو لبيع نفسه؛ فمنهم من يبيعها لله ولنصرة دينه فيعتقها من غضب الله وناره، ومنهم من يبيعها للشيطان ولأهواء القوى الفانية فيوبقها ويهلكها.

إن النجاة الحقيقية ليست في القرب من السلاطين أو الارتهان للقوى الدولية، بل في تحقيق الهدف الأسمى الذي خُلقنا من أجله. ونختم بهذا الشطر العظيم من الحديث الصحيح الذي يضع الميزان الحق لأعمالنا؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «والقرآنُ حجةٌ لك أو عليك، كلُّ الناسِ يغدو، فبائعٌ نفسَهُ؛ فمُعتِقُها أو مُوبِقُها» (أخرجه الإمام مسلم وغيره).

فليختر كل امرئ لنفسه في أي سوق يبيع، ومع أي فسطاط يقف؛ فالسعيد من اتعظ بغيره، والشقي من كان عبرة للمعتبرين، وسنة الله في خلقه لا تحابي أحداً.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *