سوريا الجديدة والسياسة الأمريكية: تحليل دلالات الاعتراف ورفع العقوبات

سوريا الجديدة والسياسة الأمريكية: تحليل دلالات الاعتراف ورفع العقوبات

في خطوة مفاجئة تحمل في طياتها تحولات جيوسياسية هامة، التقى الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرياض، في أول لقاء رسمي بين رئيسي البلدين منذ ربع قرن. هذا اللقاء، وما تبعه من إعلان عن نية رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، يمثل نقطة تحول في العلاقات بين البلدين، ويفتح الباب أمام حقبة جديدة من التفاعلات الإقليمية والدولية.

سياق التحول: الاستقرار والإعمار أولاً

يأتي هذا التطور في سياق جهود سورية مكثفة بقيادة الحكومة الجديدة، التي وضعت الاستقرار وإعادة الإعمار على رأس أولوياتها. بالإضافة إلى ذلك، يندرج هذا التحول ضمن مساعي عربية وخليجية، مدعومة بتركيا، لإعادة الاستقرار إلى سوريا والمنطقة ككل، مما يمهد الطريق لدور سوري جديد في الإقليم بمعايير مختلفة.

واشنطن تختار التعاون: "فرصة للنمو"

يبدو أن واشنطن قد اتخذت قرارًا استراتيجيًا بالتعاون مع الحكومة السورية الجديدة، ومنحها "فرصة للنمو"، كما صرح الرئيس ترامب. هذا النهج يعكس تحولًا في السياسة الأمريكية تجاه سوريا، ويشير إلى استعداد واشنطن للانخراط في مسار جديد من العلاقات.

دلالات الاعتراف الأمريكي: خمسة تحولات محتملة

يرى المحللون أن هذا الاعتراف الأمريكي يحمل دلالات عميقة على مستقبل سوريا والمنطقة، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  1. تعزيز شرعية النظام الجديد: يساهم الاعتراف الأمريكي في ترسيخ شرعية النظام الجديد في دمشق، ويشجع على استمرار التوجهات الحالية للقيادة السورية إلى ما بعد المرحلة الانتقالية. الدعم الإقليمي والدولي سيعزز الاستقرار، خاصة في مواجهة التحديات الداخلية المتعلقة بالعلاقة مع الأقليات، وإرث النظام السابق، والوضع الاقتصادي المتردي.

  2. شروط التطبيع المخففة: اللافت في الأمر أن الاعتراف الأمريكي ورفع العقوبات لم يأتيا بشروط صعبة، خاصة فيما يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل. اكتفى الرئيس ترامب بدعوة الرئيس الشرع للانضمام إلى "اتفاقيات أبراهام"، دون جعل ذلك شرطًا أساسيًا لتحسين العلاقات. يبدو أن الرئيس الشرع منفتح على العودة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بل يدعو إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة.

  3. ديناميكية إقليمية جديدة: سيعزز هذا التطور الالتفاف العربي والتركي حول سوريا، ويخلق فضاءً سياسيًا واقتصاديًا مشتركًا، مما يؤثر على عموم المنطقة، وخاصة المشرق العربي. من المتوقع أن تتركز الجهود على الحد من دور إيران وحلفائها في المنطقة.

  4. مخاوف إسرائيلية: أثار هذا التطور قلق إسرائيل، التي أبدت انزعاجها من إمكانية تحول الوضع الجديد في سوريا إلى غير مصلحتها. تعبر إسرائيل عن خشيتها من الخلفية الإسلامية للقيادة الجديدة، وتخشى أن يؤدي تغيير النظام إلى تهديد أمنها.

  5. نظام إقليمي عربي جديد: قد يشكل الإجماع العربي، وخاصة الخليجي، نقطة البداية لإعادة بناء نظام إقليمي عربي جديد، بعد سنوات من الخلافات والانقسامات. كان الموقف من النظام السوري السابق محورًا أساسيًا لهذه الخلافات، التي لم تُحسم إلا بعد سقوطه.

تحديات المرحلة القادمة

على الرغم من أن الاعتراف الأمريكي ورفع العقوبات يمثلان "انتصارًا ثانيًا" للحكم الجديد في دمشق، إلا أنهما يلقيان على كاهل الإدارة الجديدة مسؤوليات إضافية، بما في ذلك:

  • محاربة "تنظيم الدولة" ومنع عودته.
  • ترحيل "الإرهابيين الفلسطينيين" و"المقاتلين الأجانب".
  • ضمان عدم تحول سوريا إلى تهديد لدول الجوار، وخاصة إسرائيل.

بالإضافة إلى ذلك، يواجه الحكم الجديد تحديات داخلية كبيرة، بما في ذلك مجتمع منقسم وهش سياسيًا واقتصاديًا، وتحفظات بعض الدول المجاورة، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية.

باختصار، يمثل الاعتراف الأمريكي بالنظام الجديد في سوريا نقطة تحول محورية، تحمل في طياتها فرصًا وتحديات جمة. يبقى أن نرى كيف ستتعامل القيادة السورية مع هذه التحديات، وكيف ستستثمر هذه الفرص لتحقيق الاستقرار والازدهار لسوريا وشعبها.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *