مع اقتراب نهاية عام 2024، لم يجد آدام موسيري، رئيس منصة إنستغرام، وسيلة لختام العام سوى الإعراب عن قلقه العميق إزاء مستقبل الأصالة في عصر الذكاء الاصطناعي. فقد حذر موسيري من أن “الأصالة باتت قابلة لإعادة الإنتاج بشكل غير محدود”، مشيراً إلى أن كل ما كان يمنح صناع المحتوى قيمتهم —القدرة على أن يكونوا حقيقيين ومميزين— أصبح متاحاً الآن لأي شخص يمتلك الأدوات البرمجية المناسبة. وبينما اقترح موسيري نظاماً لتشفير الصور عند التقاطها لضمان مصداقيتها، يبدو أن الواقع التقني أبعد ما يكون عن هذا الحل المثالي.
معيار C2PA: هل هو الحل المنشود أم مجرد غطاء؟
الحقيقة هي أن الحل الذي اقترحه موسيري موجود بالفعل تحت مسمى معيار C2PA (التحالف من أجل أصالة المحتوى ومنشئه). تأسس هذا المعيار في عام 2021 بدعم من عمالقة مثل أدوبي، ميكروسوفت، إنتل، وبي بي سي، ويهدف إلى إرفاق بيانات وصفية غير مرئية بالصور ومقاطع الفيديو لتوضيح مصدرها وما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد تدخل في إنتاجها. ومع انضمام ميتا (الشركة الأم لإنستغرام) إلى اللجنة التوجيهية للمعيار في أواخر عام 2024، كان من المفترض أن تبدأ ملامح الثقة في العودة إلى الفضاء الرقمي.
ومع ذلك، أثبت الواقع أن هذا النظام ليس سوى أداة تجميلية حتى الآن. فعلى الرغم من دعم شركات كبرى مثل غوغل، تيك توك، وأوبن إيه آي لهذا المعيار، إلا أن تنفيذه لا يزال قاصراً عن حماية المستخدمين مما يوصف بـ “نفايات الذكاء الاصطناعي” (AI Slop). فالجمهور العادي لا يزال مطالباً بالبحث يدوياً عن ملصقات المعلومات، والعديد من المنصات لا تزال تفشل في عرض هذه البيانات بشكل واضح أو متسق، مما يجعل المعيار يبدو وكأنه وسيلة لتنصل الشركات من مسؤوليتها أكثر من كونه حلاً حقيقياً.
تناقض المصالح: شركات تصنع المشكلة وتدعي حلها
تكمن المعضلة الكبرى في أن شركات التقنية التي تقود جهود التوثيق هي نفسها التي تغرق الإنترنت بأدوات التوليد الآلي. فبينما يروج موسيري لأهمية “الحقيقة”، تواصل ميتا دفع أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنستغرام وفيسبوك بكل قوتها. وبالمثل، تطلق أوبن إيه آي نماذج قادرة على محاكاة الواقع بدقة مذهلة، بينما يشجع يوتيوب صناع المحتوى على استخدام نماذج غوغل لإنتاج فيديوهاتهم.
هذا التناقض يثير تساؤلات حول مدى جدية هذه الشركات في مكافحة التضليل. فالمحتوى المثير للجدل أو “النفايات الرقمية” الجذابة بصرياً تزيد من معدلات التفاعل وبقاء المستخدمين على المنصات، وهو ما يترجم مباشرة إلى أرباح إعلانية. ويرى خبراء الأمن الرقمي أن المنصات قد تبنت التزييف العميق فعلياً لأنها ترى فيه وسيلة أخرى لزيادة المشاركة، بغض النظر عن الأضرار الجانبية المتعلقة بالصحة الرقمية للمجتمع.
الثغرات في جدار الحماية الرقمي وغياب “إكس”
إلى جانب ضعف التنفيذ، تبرز عقبات تقنية وتنظيمية أخرى؛ فالبيانات الوصفية لمعيار C2PA يمكن حذفها بسهولة، سواء كان ذلك عن عمد أو عن طريق الخطأ عند رفع الصور على بعض المنصات. كما أن غياب منصة “إكس” (تويتر سابقاً) عن هذا التحالف يمثل فجوة هائلة؛ فمنذ استحواذ إيلون ماسك عليها، انسحبت المنصة من المبادرة، مما جعلها بيئة خصبة لانتشار الأخبار الزائفة والتزييف العميق دون أي رقابة أو توثيق، بل إن ماسك نفسه ساهم في مشاركة مقاطع فيديو مزيفة مضللة.
حتى المحاولات الخجولة لوضع ملصقات “صنع بواسطة الذكاء الاصطناعي” واجهت انتقادات واسعة، حيث قامت خوارزميات ميتا أحياناً بوسم صور فوتوغرافية حقيقية بهذا الملصق، مما أثار غضب المصورين المحترفين وقلل من مصداقية النظام بأكمله. وفي محاولة لتدارك الأمر، جعلت ميتا هذه الملصقات أصغر حجماً وأصعب في العثور عليها، مما يعزز فكرة أنها تسعى لإرضاء النقاد دون التأثير على تدفق المحتوى الآلي.
مستقبل الأصالة في عالم “الوفرة اللامتناهية”
يبدو أن معركة الذكاء الاصطناعي ضد الواقع قد وصلت إلى مرحلة حرجة. يرى موسيري أن الحل الوحيد أمام صناع المحتوى هو التركيز على “من يقول” بدلاً من “ماذا يقال”، أي الاعتماد على بناء سمعة شخصية وقوام متسق يصعب تزييفه في عالم مليء بالشكوك. ولكن في فضاء تسيطر عليه خوارزميات تبحث عن الربح، يظل المستخدم العادي هو الضحية الكبرى لطوفان من المحتوى الهجين الذي يمحو الحدود بين ما هو بشري وما هو آلي.
في نهاية المطاف، يظل معيار C2PA نظاماً قائماً على “حسن النية” في بيئة تقنية لا تعترف إلا بالأرقام. وإذا كانت شركات التقنية الكبرى تهتم حقاً بمكافحة التزييف، لكانت قد أبطأت وتيرة إطلاق أدواتها التوليدية حتى تضمن وجود أنظمة كشف فعالة، لكن الواقع يثبت أن السباق نحو الهيمنة على سوق الذكاء الاصطناعي يتفوق دائماً على المسؤولية تجاه الحقيقة الرقمية.
المصدر: The Verge


اترك تعليقاً