اضطراب الممرات الملاحية: هل يواجه العالم صدمة اقتصادية مزدوجة؟
يواجه الاقتصاد العالمي منعطفاً حرجاً مع تصاعد التهديدات الأمنية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر. هذا التوتر، الذي تزامن مع صراعات إقليمية تشمل أطرافاً دولية فاعلة، يضع أهم الشرايين البحرية في العالم تحت ضغط غير مسبوق، مما يثير المخاوف من تعطل مزدوج يطال مضيق هرمز أيضاً.
الهروب الكبير: تغيير مسارات الشحن العالمية
لم تعد التهديدات مجرد تحذيرات شفهية، بل تُرجمت فعلياً على أرض الواقع من خلال قرارات كبرى شركات الشحن العالمية. أعلنت شركتان من العمالقة، وهما "ميرسك" الدنماركية و"إم إس سي" الإيطالية، عن تعليق رحلاتهما عبر البحر الأحمر.
اللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح
اضطرت السفن لاتخاذ الطريق الأطول حول أفريقيا، وهو ما يترتب عليه:
- إضافة 13 ألف كيلومتر إلى مسافة الرحلة.
- تأخير زمني يتراوح بين 10 إلى 14 يوماً.
- ارتفاع حاد في كلفة التأمين وعلاوات المخاطر.
الأهمية الإستراتيجية لمضيق باب المندب
يُعد مضيق باب المندب البوابة الجنوبية لقناة السويس، ويمثل حلقة الوصل الحيوية بين الشرق والغرب. تكمن خطورة أي اضطراب فيه من خلال الأرقام التالية:
- يمر عبره نحو 10% من التجارة البحرية العالمية.
- يستوعب 22% من تجارة الحاويات سنوياً.
- يعبر من خلاله 30% من تجارة النفط و40% من البضائع الجافة.
وتستحضر الذاكرة الاقتصادية حادثة جنوح السفينة "إيفر غيفن" عام 2021، التي تسببت في خسائر قدرت بـ 9 مليارات دولار يومياً، لتعكس حجم الكارثة المحتملة في حال الإغلاق الطويل للمضيق.
التداعيات على الاقتصاد والتضخم
تؤكد خبيرة شؤون الطاقة، لوري هايتايان، أن إغلاق باب المندب لا يضرب قطاع الطاقة فحسب، بل يمتد أثره إلى كافة القطاعات الاقتصادية. إن الجمع بين ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة تكاليف الشحن سيؤدي حتماً إلى:
- موجة جديدة من التضخم العالمي.
- تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي.
- خسائر فادحة لقناة السويس، حيث بلغت الخسائر المتوقعة لعامي 2024 و2025 نحو 12 مليار دولار.
كابوس "الصدمة المزدوجة": باب المندب وهرمز
تتضاعف المخاوف عند النظر إلى مضيق هرمز، الذي يعبره 20 مليون برميل نفط يومياً و20% من تجارة الغاز المسال. أي اضطراب متزامن في المضيقين يعني شللاً شبه كامل في إمدادات الطاقة العالمية.
وعلى الرغم من وجود خطوط أنابيب بديلة لدى السعودية والإمارات، إلا أن هذه البدائل قد تصطدم بعقبة إغلاق باب المندب، مما يعيق وصول الصادرات إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية.
توقعات أسعار النفط: هل نصل إلى 120 دولاراً؟
يشير خبير الطاقة نهاد إسماعيل إلى أن الأسواق تعيش حالة من الترقب، حيث تعكس الأسعار الحالية "علاوة مخاطر" واضحة. وتتأرجح التوقعات بناءً على السيناريوهات التالية:
- في حال استمرار التوتر: قد تتجاوز الأسعار حاجز الـ 80 دولاراً.
- في حال التصعيد العسكري الواسع: قد تخترق الأسعار حاجز الـ 108 دولارات وتصل إلى 120 دولاراً للبرميل.
يبقى قرار تحالف "أوبك بلس" بشأن زيادة الإنتاج هو الأداة الوحيدة المتاحة حالياً لمحاولة كبح جماح الأسعار وتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات.
الخلاصة: إن ما يحدث في مضيق باب المندب ليس مجرد أزمة إقليمية، بل هو إعادة رسم لخريطة الشحن العالمية، وفرض واقع اقتصادي جديد قد يدفع العالم نحو موجة تضخمية قاسية إذا لم يتم احتواء الموقف سريعاً.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً