شعبان شهر التجهيز: كيف تستعد لرمضان قبل فوات الأوان؟

مقدمة: نسائم الرحمة تلوح في الأفق

تمرُّ الأيامُ وتطوي الليالي صفحاتِها، وبينما يغرقُ الناسُ في صراعاتِ الحياةِ ومشاغلِها، تطلُّ علينا مواسمُ الطاعاتِ كواحاتٍ غنّاء في صحراءٍ قاحلة. إننا اليومَ نقفُ على أعتابِ شهرٍ عظيم، شهرٍ يغفلُ عنه كثيرٌ من الناس بين رجب ورمضان، وهو شهرُ شعبان. هذا الشهرُ ليس مجردَ محطةٍ زمنيةٍ عابرة، بل هو الميادينُ التي تُصقلُ فيها النفوس، والمختبرُ الذي تُختبرُ فيه العزائم.

إنَّ الحقيقةَ الإيمانيةَ التي يجبُ أن تستقرَّ في وجدانِ كلِّ مؤمنٍ هي أنَّ شعبانُ شهرُ التجهيز، ورمضانُ شهرُ التنفيذ. فكيفَ لقلبٍ لم يرتوِ من أنوارِ التجهيزِ أن يفيضَ ببركاتِ التنفيذ؟ وكيفَ لروحٍ لم تتدرب على الطاعةِ في خلواتِ شعبان أن تنطلقَ في ميادينِ رمضان؟

فلسفة الاستعداد: لماذا شعبان؟

يخطئُ الكثيرون حين يظنونَ أنَّ الانطلاقَ الإيمانيَّ يبدأُ مع أولِ ليلةٍ من رمضان. هذا التصورُ القاصرُ هو الذي يجعلُ البعضَ يشعرُ بالفتورِ بعدَ أيامٍ قليلةٍ من دخولِ الشهرِ الكريم، والسببُ ببساطة هو عدمُ الإعدادِ المسبق. فليسَ الذي أعدّ العُدّة مبكّرًا، وأتمّها وهيّأها على كمال، كمن أقعدتهُ نفسه عنها وعزّته بأنّه “سيمشي هوينا ويجي في الأوّل”!

إنَّ الاستعدادَ المبكرَ هو سمةُ العظماءِ وأصحابِ الهممِ العالية. فالمسافرُ لا يبدأُ بجمعِ متاعِه عندَ انطلاقِ القافلة، والمحاربُ لا يشحذُ سيفَه عندَ قرعِ الطبول، بل إنَّ كلَّ نجاحٍ باهرٍ في عالمِ الروحِ يُسبقُ بعملٍ دؤوبٍ في الخفاء. شعبانُ هو ذلكَ الخفاءُ الجميل، هو الفرصةُ الذهبيةُ لترميمِ ما انكسرَ من القلب، وتنقيةِ ما كدّرَ الروح، لتدخلَ رمضانَ بقلبٍ سليمٍ وعزيمةٍ وثابة.

إدارة الإصلاح: من النية إلى العمل

إذَا أردتَ بلوغَ مبلغِ صلاحِ نفسكَ وعروجِها إلى مراقي الفلاح، فلا بدَّ لكَ من إدراكِ قاعدةٍ جوهرية: “فإنّ إرادةَ الإصلاح تقتضي إدارةَ الإصلاح”. إنَّ مجردَ التمني والرغبةِ في التغييرِ لا يكفي؛ فكم من نياتٍ طيبةٍ بقيت حبيسةَ الصدورِ لأنها افتقرت إلى الإدارةِ والتخطيط.

إدارةُ الإصلاحِ تعني أن تضعَ لنفسكَ برنامجاً عملياً في شعبان:
1. إدارة الوقت: كيف تقضي ساعاتِ يومك؟ هل هناك مساحةٌ للقرآنِ والذكر؟
2. إدارة الجوارح: كفُّ اللسانِ عن الغيبةِ والفضول، وغضُّ البصر، وتدريبُ النفسِ على الصيام.
3. إدارة القلب: تطهيرُه من الحقدِ والشحناءِ ليكونَ وعاءً قابلاً لاستقبالِ تجلياتِ رمضان.

إنَّ العشوائيةَ في طلبِ الآخرةِ لا تُورثُ إلا الندم، والمؤمنُ الكيسُ هو من يديرُ رحلةَ إصلاحِه بحزمٍ وعزم، مدركاً أنَّ الوقتَ أغلى من أن يُهدرَ في تسويفٍ لا ينتهي.

قانون الحصاد: لا ثمر بلا غرس

يقولُ العارفون: “رجب شهر الزرع، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر الحصاد”. وإنّه لا يحصدُ إلّا مَن غرسَ وتعهّد غرسَه، أمّا غيرُه فمغرور بالأماني مُنقَطِعُ الوعي.

تخيلْ فلاحاً تركَ أرضَه بورا طوالَ العام، ثمَّ جاءَ في يومِ الحصادِ يرجو ثماراً يانعة! أليسَ هذا من السفه؟ كذلكَ هو حالُ من يهجرُ الطاعاتِ طوالَ العام، ويتركُ قلبَه يرتعُ في الغفلةِ في شعبان، ثمَّ يرجو أن يكونَ من السابقينَ في رمضان. إنَّ الثمرةَ الإيمانيةَ التي نرجوها في ليلةِ القدر، تُغرسُ بذورُها في أيامِ شعبان، وتُسقى بدموعِ التوبةِ والاستغفارِ قبلَ زحامِ المجتهدين.

التحذير من فخ الأماني الكاذبة

من أخطرِ ما يُصابُ به المرءُ هو الانخداعُ بالنفسِ والتسويف. يقولُ البعض: “عندما يأتي رمضانُ سأنطلق، سأختمُ القرآنَ مراتٍ، وسأقومُ الليلَ كله”. هذهِ وعودٌ زائفةٌ إذا لم تُصدقها الأفعالُ في شعبان. فالنفسُ التي اعتادت الخمولَ لا تنتفضُ فجأةً بمجردِ رؤيةِ الهلال، بل إنَّ الاعتيادَ على الطاعةِ يحتاجُ إلى مجاهدةٍ وصبر.

إنَّ الانقطاعَ عن الوعيِ بحقيقةِ الاستعدادِ يجعلُ الإنسانَ يعيشُ في عالمٍ من الأوهام، يظنُّ فيه أنَّ الفلاحَ يُنالُ بالهوينا، وأنَّ السبقَ يكونُ بلا عناء. ولكنَّ الحقَّ أبلج، والطريقَ واضح، والوصولَ لا يكونُ إلا لمن شمرَ عن ساعدِ الجدِّ قبلَ أوانِ السباق.

الوعيد القرآني للمتقاعسين

لقد وضعَ القرآنُ الكريمُ ميزاناً دقيقاً لكشفِ صدقِ النوايا من كذبِها، فقالَ اللهُ تعالى في محكمِ تنزيلِه: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً).

هذه الآيةُ العظيمةُ هي فيصلُ التفرقةِ بينَ الصادقِ والمنافق، وبينَ الجادِّ واللاهي. فلو كانت إرادةُ التغييرِ حقيقيةً في قلبك، لظهرت آثارُها في استعدادِك. إنَّ عدمَ إعدادِ العُدةِ لرمضان في شهرِ شعبان هو دليلٌ عمليٌ على ضعفِ الإرادة، وربما كانَ علامةً على حرمانِ المرءِ من شرفِ التوفيقِ للطاعة.

فيا أخي المؤمن، انظر في حالِك: هل أعددتَ عُدةَ الصيامِ بصيامِ أيامٍ من شعبان؟ هل أعددتَ عُدةَ القرآنِ بزيادةِ وردِك؟ هل أعددتَ عُدةَ القيامِ بركعاتٍ في جوفِ الليل؟ إنَّ إعدادَ العُدةِ هو البرهانُ الساطعُ على صدقِ المحبةِ للهِ والشوقِ لضيافتِه.

خطوات عملية للتجهيز في شعبان

لكي لا يكونَ كلامُنا مجردَ عواطفَ جياشة، إليكَ هذهِ الخطواتِ العمليةَ لتجعلَ من شعبانَ شهراً للتجهيزِ الحقيقي:

  • أولاً: التوبة النصوح: ابدأ بتطهيرِ الثوبِ قبلَ لبسِه. استغفرْ من ذنوبِ العامِ كلِّه، ونقِّ قلبَك من الشوائبِ التي تراكمت عليه.
  • ثانياً: الصيام التدريبي: اجعل لنفسك نصيباً من صيامِ شعبان، لتكسرَ حدةَ شهوةِ الطعامِ والشراب، وتعتادَ جوارحُك على السكينة.
  • ثالثاً: مراجعة الورد القرآني: لا تجعلْ رمضانَ هو المرةَ الأولى التي تفتحُ فيها المصحفَ منذُ أمدٍ بعيد. ابدأ من الآن لتصلَ إلى رمضان وقد لانت لسانُك بذكرِ الله.
  • رابعاً: ترتيب الأولويات: حدد المعاصي التي تصرُّ عليها، واجعل من شعبانَ ميداناً لتركِها نهائياً، حتى لا تدخلَ رمضانَ وأنتَ مكبلٌ بأغلالِ الذنوب.
  • خامساً: الدعاء بالبلوغ والقبول: أكثر من قول “اللهم بلغنا رمضان”، ولكن بلسانِ حالٍ يقول: “اللهم هيئني لرمضان”.

خاتمة: النداء الأخير

يا باغيَ الخيرِ أقبل، ويا باغيَ الشرِّ أقصر. إنَّ الأيامَ تمضي سراعاً، وشعبانُ ينقضي كما انقضى غيرُه، فماذا أنتَ فاعل؟ هل ستظلُّ مرتهناً للأماني الكاذبة، أم ستنهضُ نهضةَ الصادقين الذين عرفوا قيمةَ الوقتِ وأهميةَ التجهيز؟

تذكرْ دائماً أنَّ رمضانَ مضمارٌ لا يسبقُ فيه إلا من تدربَ جيداً، وأنَّ العطايا فيه على قدرِ التهيؤ. فاجعل من أيامِ شعبانَ الباقيةِ ثورةً على النفس، وإصلاحاً للمسار، وإعداداً للعُدة، لعلَّ اللهَ يرى منك صدقاً فيفتحَ لكَ أبوابَ قبولِه، ويجعلكَ من عتقائِه في الشهرِ الكريم.

إنَّ إرادةَ الإصلاحِ تقتضي إدارةَ الإصلاح، فكن مديراً ناجحاً لنفسك، ومجهزاً بارعاً لروحك، ليكونَ تنفيذُك في رمضانَ على أكملِ وجه. فما هي إلا أيامٌ معدودات، فإما فوزٌ عظيمٌ وإما حسرةٌ وندامة، والعاقلُ من اتعظَ وأعدَّ واستعد.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *