تعيش المحاكم المغربية حالة من الشلل التام عقب قرار جمعية هيئات المحامين بالتوقف الشامل عن أداء المهام المهنية، في خطوة تصعيدية تعكس عمق الأزمة بين "أصحاب البذلة السوداء" ووزارة العدل. يأتي هذا الاحتجاج رداً على مسودة مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، والذي يراه المحامون تهديداً مباشراً لاستقلاليتهم ومكتسباتهم التاريخية.
جذور الصراع: وعود منقوضة ومسودة مفاجئة
تؤكد الهيئات المهنية أن الصيغة النهائية لمشروع القانون، التي أحالتها وزارة العدل إلى الأمانة العامة للحكومة، جاءت مخيبة للآمال ومناقضة تماماً لما تم الاتفاق عليه في جلسات الحوار السابقة. ويرى المحامون أن الوزارة تراجعت عن التوافقات المسجلة منذ عام 2019، خاصة بعد تولي الوزير الحالي عبد اللطيف وهبي، الذي قدم تعديلات اعتبرتها الهيئات "تمساً بالأسس الكونية للمهنة".
أبرز مستجدات مشروع القانون: قيود جديدة وشروط صارمة
تضمن مشروع القانون الذي أعدته الوزارة جملة من التغييرات الجذرية التي تهدف -حسب رؤية الوزارة- إلى تأهيل المهنة وضبط أعداد الوافدين إليها، ومن أبرزها:
- تغيير شروط الولوج: الانتقال من نظام "الامتحان" إلى نظام "المباراة"، مع رفع سقف المؤهل العلمي من الإجازة إلى شهادة الماجستير (الماستر) في الحقوق.
- تحديد السن: خفض الحد الأقصى لسن المترشحين من 45 سنة إلى 40 سنة فقط.
- نظام التكوين: إقرار سنة من التكوين النظري في معهد متخصص، تليها سنتان من التدريب العملي تحت إشراف الهيئة، بدلاً من النظام الحالي.
- انفتاح دولي: السماح للمحامين الأجانب بممارسة المهنة في المغرب وفق شروط محددة.
- التكليف المكتوب: إلزام المحامي بالحصول على توكيل مكتوب من موكله يتضمن بيانات دقيقة، وهو إجراء يستحدث لأول مرة.
لماذا يغضب المحامون؟ (نقاط الخلاف الجوهرية)
لا تكمن المشكلة في شروط الولوج فحسب، بل في مواد يراها المحامون "تكريساً للتبعية" وإضعافاً لدور الدفاع، وتتلخص اعتراضاتهم في:
- المس بالاستقلالية: يرفض المحامون منح اختصاصات كانت حكراً على مجالس الهيئات لجهات أخرى، وإلزام النقيب بتبليغ وزارة العدل بقرارات داخلية، مما يضع المهنة تحت "وصاية" حكومية.
- تقليص المهام: يرى المحتجون أن القانون الجديد يضيق نطاق عمل المحامي بدلاً من توسيعه، مما يؤثر على جودة العدالة.
- المنافسة الأجنبية: الاعتراض على السماح للمحامين الأجانب بفتح مكاتب دون استشارة واضحة لنقباء الهيئات المغربية.
- منع التظاهر: تضمن المشروع مادة تمنع الاحتجاج أو التظاهر داخل المحاكم أثناء انعقاد الجلسات، وهو ما اعتبره المحامون تضييقاً على حرية التعبير.
تصريحات من قلب الحراك
في تصريح لوسائل الإعلام، أكد النقيب الحسين الوزاني، رئيس جمعية هيئات المحامين، أن المهنة تمر بـ "وضعية عصيبة"، مشدداً على أن المساس بحصانة الدفاع هو في الجوهر مساس بحق المواطن في "محاكمة عادلة". وأضاف أن المحامين مستعدون للتصعيد إلى مستويات غير مسبوقة ما لم يتم العودة إلى طاولة حوار جاد يحترم الالتزامات المتبادلة.
من جهته، وصف سعد الله التونسي، رئيس فيدرالية جمعيات المحامين الشباب، المشروع بأنه "انتكاسة حقوقية" تهدف إلى تدجين المهنة والتحكم فيها، مشيراً إلى أن الفيدرالية راسلت مؤسسات دستورية مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان للتدخل.
الدعم السياسي والمطالبة بالسحب الفوري
لم يقتصر الرفض على الجانب المهني، بل امتد ليشمل قوى سياسية معارضة. فقد طالب قطاع المحاماة في حزب التقدم والاشتراكية بسحب المشروع فوراً، محذراً من إحالته على البرلمان بصيغته الحالية. كما عبر محامو فيدرالية اليسار الديمقراطي عن رفضهم المطلق للمشروع، معتبرين أنه يهدد الوظيفة الحقوقية للمحاماة في بناء دولة الحق والقانون.
الخاتمة: أفق مسدود أم انفراجة قريبة؟
يبقى الترقب سيد الموقف بانتظار اجتماع مجلس الحكومة، بينما يصر المحامون على أن كرامة المهنة واستقلاليتها خط أحمر. فهل تتراجع الوزارة عن مشروعها لفتح باب الحوار مجدداً، أم أن المحاكم المغربية ستشهد فصولاً أطول من التصعيد والمواجهة؟


اترك تعليقاً