صلاة التراويح وقيام الليل: دليل إيماني لليالي رمضان العامرة

مقدمة: نسائم القيام في شهر الصيام

إن من أعظم فضل الله -عز وجل- على عباده المؤمنين أن جعل لهم مواسم للطاعات، تتضاعف فيها الأجور، وترتقي فيها الأرواح، وتزكو فيها النفوس. ومن أبهى هذه المواسم شهر رمضان المبارك، الذي لم يجعله الله مجرد كفٍّ عن الطعام والشراب في نهاره، بل جعله ميداناً للتسابق في المحاريب بليله. فكما أوجب الله علينا صيام نهاره بقوله سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، فقد سنَّ لنا نبينا الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- قيام لياليه، ليكون الصيام والقيام جناحين يطير بهما العبد إلى رضوان الله وجنته.

لقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- قيام رمضان علامة على الإيمان الصادق، وبوابة كبرى لمغفرة الذنوب، فقال في الحديث المتفق عليه: “من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه”. فالمسلم الحق هو من يعمر ليله بالخضوع والركوع، كما يعمر نهاره بالصبر والجوع، طمعاً في تلك المنحة الربانية العظيمة.

هدي النبي ﷺ في قيام رمضان

لقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- هو القدوة والأسوة في إحياء ليالي هذا الشهر الكريم. فقد رغَّب في القيام بالقول والفعل؛ ففي إحدى ليالي رمضان، خرج -صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد وصلى، فصلى الناس بصلاته، ثم تزايد العدد في الليلة الثانية والثالثة، حتى إذا كانت الليلة الرابعة ضاق المسجد بأهله من كثرة المصلين، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يخرج إليهم في تلك الليلة، وصلى بهم الفجر ثم قال: «لم يخفَ عليَّ مكانكم، ولكني خشيت أن تُفرض عليكم فتعجزوا عنها» (صحيح البخاري).

هذا الموقف النبوي العظيم يبرز مدى رحمة النبي ﷺ بأمته، وحرصه على ألا يشق عليهم، فبقيت صلاة التراويح سنة مؤكدة، يتقرب بها العباد إلى ربهم اختياراً وحباً، لا فرضاً وإلزاماً.

سنة عمر بن الخطاب وجمع الناس على إمام واحد

بعد وفاة النبي ﷺ، استمر الناس يصلون قيام رمضان فرادى أو جماعات صغيرة في المسجد، حتى جاء عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-. رأى الفاروقُ الناسَ أوزاعاً متفرقين، فاستشعر بجميل بصره وبصيرته أن جمعهم على قارئ واحد أهيب للشعيرة وأعون على الخشوع، فجمعهم على أبيّ بن كعب -رضي الله عنه-.

وعندما رأى عمرُ اجتماعهم وانضباطهم، قال كلمته الشهيرة: “نعم البدعة هذه”، وقصد بالبدعة معناها اللغوي (أي الشيء المستحدث في الهيئة) لا الشرعي، لأن أصل الصلاة في جماعة فعله النبي ﷺ. وقد أيد الصحابةُ عمرَ في فعله هذا، ومرَّ علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بالمساجد وهي تضيء بالقرآن في رمضان، فدعا لعمر قائلاً: “نوَّر الله قبر عمر كما نوّر مساجد المسلمين في رمضان”. وهذا الإجماع السكوتي والفعلي من الصحابة والخلفاء الراشدين يؤكد أن صلاة التراويح في جماعة هي من شعائر الإسلام الظاهرة التي تضاهي في جلالها صلاة العيد.

قيام الليل: دأب الصالحين وسرُّ المتقين

إن قيام الليل ليس مجرد حركات بدنية، بل هو سمة الصالحين الذين امتدحهم الله في كتابه العزيز. هم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع حين ينام الناس، يقفون بين يدي ملك الملوك، يرجون رحمته ويخشون عذابه. قال تعالى يصفهم: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64].

وفي وصف آخر مؤثر، يقول سبحانه عن المتقين: {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 17- 18]. قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: “كابدوا قيام الليل فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر حتى كان الاستغفار بسحر”.

إن قيام الليل هو “مدرسة الإخلاص”؛ ففيه يخلو العبد بربه بعيداً عن أعين الركوع والسمعة، ولذلك قال النبي ﷺ: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم». كما أنه طريق الفوز بالغرف العالية في الجنة، تلك التي وصفها النبي ﷺ بأنها: «يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام».

صلاة التراويح: أحكام وآداب

سُميت صلاة التراويح بهذا الاسم لأن المصلين كانوا يستريحون فيها بعد كل أربع ركعات، نظراً لطول قيامهم وركوعهم وسجودهم. وهي في جوهرها قيام الليل في رمضان.

عدد ركعاتها

الأمر في عدد ركعات التراويح واسع، ولم يحد النبي ﷺ عدداً لا يجوز تجاوزه. فقد كان ﷺ يصلي إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة مع إطالة القراءة جداً. ولما جمع عمر الناس، صلوها عشرين ركعة للتخفيف عن الناس في طول القيام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين”، فمن أراد الإطالة قلل الركعات، ومن أراد التخفيف زاد في الركعات، وكل ذلك حسن.

من آداب صلاة التراويح والقيام:

1. إخلاص النية: فالله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}.
2. الافتتاح بالخفيف: يُستحب البدء بركعتين خفيفتين لتنشيط النفس، كما كانت تفعل عائشة -رضي الله عنها- في وصف صلاة النبي ﷺ.
3. التثنية في الصلاة: صلاة الليل مثنى مثنى، أي يسلم المصلي من كل ركعتين، لقوله ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى».
4. التدبر والترتيل: الغرض من القيام هو سماع كلام الله وتدبر معانيه، لذا فإن ترتيل القراءة مع قلة الركعات أفضل من سردها سرداً مع كثرتها.
5. الاستراحة: اتباع سنة السلف في الاستراحة بين الركعات للتقوي على العبادة.

صلاة الوتر: ختام الليل المبارك

الوتر سنة مؤكدة، وهي ختام صلاة الليل، لقوله ﷺ: «اجعلوا آخر صلاتكم وترًا». ووقته يمتد من بعد صلاة العشاء إلى قبيل طلوع الفجر.

  • أقل الوتر: ركعة واحدة.
  • أكمله: إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة.
  • سنن الوتر: يُستحب القراءة بسبح اسم ربك الأعلى، والكافرون، والإخلاص. وبعد السلام يشرع قول: “سبحان الملك القدوس” ثلاثاً، ويرفع صوته في الثالثة.
  • دعاء القنوت: وهو الدعاء الذي علمه النبي ﷺ للحسن بن علي: «اللهم عافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، واهدني فيمن هديت، وقني شر ما قضيت، وبارك لي فيما أعطيت، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، سبحانك ربنا تباركت وتعاليت».

الخاتمة: دعوة للمسارعة

أخي المسلم، إن ليالي رمضان تمر مرَّ السحاب، فاغتنم هذه الدقائق الغالية، ولا تحرم نفسك من لذة المناجاة في جوف الليل. تذكر أن الشيطان يحاول عقد العقد على رأسك لتنام، فإذا استيقظت وذكرت الله وتوضأت وصليت، انحلت عقدك وأصبحت طيب النفس نشيطاً.

نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، وأن يجعلنا ممن قام رمضان وقام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، فنال المغفرة والرضوان، إنه سميع مجيب الدعاء.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *