مقدمة: الفجر بوابة الفتوح ومنطلق النصر
إن المتأمل في سنن الله الكونية وتاريخ الأمة الإسلامية المجيد، يدرك يقيناً أن النصر ليس مجرد صدفة عابرة، بل هو ثمرة ناضجة لشجرة جذورها الإيمان وساقها العمل، وأولى ثمار هذا الإيمان تتجلى في الوقوف بين يدي الله في وقتٍ يغط فيه العالم في سبات عميق. إن العلاقة بين صلاة الفجر والنصر ليست مجرد علاقة رمزية، بل هي علاقة عضوية وشرعية وتاريخية؛ فالفجر هو الاختبار اليومي الذي يميز الصفوف، ويصقل النفوس، ويهيئ الأبطال لقيادة الأمم.
الصبر: وقود الانتصارات وعماد الفتوة
يعد القيام لصلاة الفجر في وقت الراحة والدعة من أثقل الأمور على النفس البشرية، وهنا تبرز صفة “الصبر” كأهم ركيزة لتحقيق النصر. إن المسلم الذي يغالب فراشه الوثير، ويقاوم لذة النوم استجابة لنداء “الصلاة خير من النوم”، هو إنسان يتسم بالفتوة والقوة الحقيقية.
والصبر ضرورة دنيوية ودينية على حد سواء؛ فلا نصر يتحقق أمام الأعداء إلا بالصبر، ولا آمال تُنال، ولا صعاب تهون إلا به. ولولا الصابرون الذين ثبتوا في المحاريب قبل أن يثبتوا في الميادين، ما أتى النصر. إن وقت الفجر هو أشد الأوقات مشقة، ولذلك حذرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- من التهاون فيه، واصفاً إياه بأنه ميزان الإيمان والنفاق، فقال: «ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأَتَوهُما ولو حبوًا» (رواه البخاري ومسلم).
إن الله تعالى حثنا على المصابرة والمرابطة، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران: 200]. ومن لم يصبر على القيام للصلاة المكتوبة، فقد عرض نفسه لخطر عظيم في الآخرة؛ فقد رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في رؤيا حق «رجلاً مستلقيًا على قفاه، وآخر قائمًا عليه بصخرة يهوي بها على رأسه، فيشدخ رأسه فيتدحرج الحجر، فإذا ذهب ليأخذه فلا يرجع حتى يعود رأسه كما كان، فيفعل به مثلما فعل في المرة الأولى»، وقد فسر جبريل وميكائيل -عليهما السلام- هذا المشهد بأنه للرجل الذي «يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة» (رواه البخاري). فعدم الصبر عذاب في الآخرة، وذل وإهانة في الدنيا، ومن هنا كانت صلاة الفجر مدرسة للتعود على الصبر الذي يثمر نصراً مؤزراً.
معركة النفس والشيطان: أولى خطوات التمكين
قبل أن يواجه المسلم عدوه في ساحات الوغى، عليه أن ينتصر في معركته الداخلية ضد نفسه وشيطانه. إن قيام الرجل من نومه في وقت السكون الجسدي والروحي يعد جهاداً حقيقياً. فالشيطان يتربص بالمسلم ليثبط همته، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «يعقد الشيطانُ على قافية رأس أحدِكم إذا هو نام ثلاثَ عُقَد، يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقدْ، فإن استيقظَ فذكر الله – تعالى – انحلَّت عقدة، فإن توضَّأ انحلت عقدة، فإن صلَّى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإن لا أصبح خبيث النفس كسلان» (رواه البخاري ومسلم).
هذا الانتصار اليومي على الشيطان هو التدريب العملي للنصر على الأعداء، وعلى رأسهم أعداء الأمة الذين يدركون هذه الحقيقة أكثر من بعض المسلمين. لقد لخصت جولدا مائير -رئيسة وزراء إسرائيل السابقة- هذا المفهوم حين قالت: “سننتصر على المسلمين ما دام عدد المصلِّين في صلاة الفجر ليس كعدد المصلين في صلاة الجمعة”. إنها دعوة للاستيقاظ، فهل يعقل أن يكون عدونا أعرف منا بأسباب قوتنا؟
فضائل الفجر: كنوز تضيق بها الدنيا
لقد عظم الله عز وجل وقت الصبح في كتابه، فأقسم به فقال: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1، 2]. وإذا أقسم العظيم بأمر، فاعلم أنه أمر جلل. وقد بين الحبيب المصطفى فضائل هذه الصلاة حتى حث على إتيانها ولو زحفاً، فقال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتَهِمُوا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأَتَوهُما ولو حبوًا» (رواه البخاري).
ومن عجيب فضلها أن الله يباهي بفرسانها ملائكته؛ فقد أخرج الإمام أحمد بسند حسن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «عَجِبَ ربُّنا -عز وجل- من رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحيِّه إلى صلاته، فيقول ربنا: أيا ملائكتي، انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووِطائه ومن بين حيِّه وأهله إلى صلاته، رغبةً فيما عندي وشفقة مما عندي».
يا لها من صورة إيمانية مشرقة! هؤلاء هم المنتصرون حقاً، الذين تركوا الفراش الوثير والزوجة الجميلة قائلين: “جنة قلوبنا في الصلوات، وأنس أرواحنا في تلك اللحظات”. إن ركعتي الفجر (السنة القبلية) وحدها خير من الدنيا وما فيها من كنوز ومناصب، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها» (رواه مسلم). فإذا كان هذا حال النافلة، فما ظنك بعظمة الفريضة؟
مدرسة الصحابة والقادة: الفجر منطلق الجيوش
لم يكن النصر عند سلفنا الصالح مجرد تخطيط عسكري، بل كان صلة بالله تبدأ منذ الفجر. انظر إلى الصحابي الجليل أنس بن مالك -رضي الله عنه-، الذي بكى عند فتح مدينة (تُستَر) الحصينة. هل تدري لماذا بكى؟ ليس لفقد قريب أو مال، بل لأن لحظة الاقتحام والنصر النهائي كانت قبيل الفجر بقليل، مما أدى لضياع صلاة الصبح في وقتها لمرة واحدة في حياته. كان يقول: “وما تُستَر؟ لقد ضاعت مني صلاة الصبح، وما وددت أن لي الدنيا جميعًا بهذه الصلاة”.
وهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، حين طُعن طعنة الموت، لم يشغله نزيف دمه عن الصلاة، بل قال حين أيقظوه للفجر: “نعم، ولا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة”، وصلى وجرحه يثعب دماً.
وعلى هذا النهج سار القادة العظام:
- خالد بن الوليد: كان لا يبدأ قتاله إلا بعد صلاة الصبح.
- يوسف بن تاشفين: قائد المرابطين، لم يخض موقعة (الزلاقة) إلا بعد أن صلى الفجر بجيشه.
- سيف الدين قطز: انطلق بجيوشه في (عين جالوت) لكسر شوكة التتار بعد صلاة الصبح مباشرة.
- صلاح الدين الأيوبي: كان يمر على الخيام، فإذا رأى قوماً يصلون قال: “من هنا يأتي النصر”، وإذا رأى نائمين قال: “من هنا تأتي الهزيمة”.
الفجر: ميقات التغيير والتمكين العالمي
إن وقت الصبح هو وقت التحول من الظلام إلى النور، ومن الظلم إلى العدل. انظر إلى هلاك قوم لوط، قال تعالى: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: 81]. وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا نزل بساحة قوم للجهاد يقول: «إنا إذا نزلنا بساحةِ قومٍ فساء صباحُ المُنذَرين».
وحتى في اللحظات الأخيرة من عمر الدنيا، سيكون التمكين لأهل الفجر؛ فعند نزول عيسى ابن مريم -عليه السلام- إلى الأرض لإقامة العدل، سيكون ذلك في وقت صلاة الفجر، حيث يكون المؤمنون مجتمعين ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح قد تقدم ليصلي بهم الصبح، فينزل عيسى -عليه السلام- ويأمر الإمام أن يكمل صلاته، لتكون صلاة الفجر هي نقطة الانطلاق الكبرى لتطهير الأرض من الدجال والظلم.
خاتمة: نداء إلى أمة الفجر
يا أمة الإسلام، إن الطريق إلى العزة والتمكين يبدأ من المحراب. إن الذي ينام عن صلاة الفجر قد استولى عليه الشيطان واستهزأ به، حتى بال في أذنه كما أخبر الصادق المصدوق. فكيف نرجو نصراً ونحن نؤثر لذة الوسادة على لذة العبادة؟
إن نصر الله آتٍ لا محالة، ولكن السؤال: هل سنكون نحن من رجاله؟ إن رجال الفجر هم وفد الرحمن، وهم الذين يكونون في ذمة الله وحمايته طوال يومهم. فقم يا أخي من غفلتك، واعلم أن لذة دقائق تنامها لا تعدل ضمة من ضمات القبر أو زفرة من زفرات النار. اجعل صلاة الفجر ميزانك، واجعلها منطلقك، فمن هنا يبدأ النصر، ومن هنا تعود السيادة.

اترك تعليقاً