إن بقاء الأمم وارتقاءها ليس محض صدفة، بل هو ثمرة مباشرة لجهد أبنائها وعزيمتهم. فالحضارات لا تُبنى على أرائك الراحة والدعة، بل تُشيد بسواعد المخلصين الذين يقدّمون العمل المنتج على الكسل، والبناء الجماعي على الترف الفردي.
قانون الصعود والانهيار الحضاري
يرتبط مصير أي أمة بطريقة استثمار أبنائها لطاقاتهم، ويمكن تلخيص معالم التأخر والنهوض في النقاط التالية:
- فخ الترف: عندما يصبح الرفاه م غاية في حد ذاته وليس وسيلة للتمكين، تبدأ الأمة في التراجع، فكثرة الترف المصحوبة بالفسوق والتحلل الأخلاقي هي النذير الأول لزوال الحضارات، كما بيّن القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا…}.
- الانشغال بالدنيا: تنقسم النفوس إلى فريقين؛ فريق يسعى لمجد أمته وآخر يلهث خلف شهواته العابرة، والقرآن يحذر من حصر الأماني في نصيب الدنيا الزائل ونسيان نصيب الآخرة وبناء الذات.
- الأخذ بالأسباب: تفوق الآخرون ليس لفضلٍ ذاتي فيهم، بل لأنهم أخذوا بسنن الله الكونية في الجد والاجتهاد، بينما ركن كثير من المسلمين إلى التواكل وتركوا الأسباب المادية التي هي جزء أصيل من منهج هذا الدين.
- رصيد العمل مقابل رصيد الكلام: المجتمعات المتقدمة تقدس قيمة الوقت والعمل؛ الموظف هناك لا يتنصل من مسؤوليته ولا يغرق في الثرثرة. بينما في المجتمعات المتخلفة، تزداد الثرثرة كلما قلّ الإنتاج.
- حقيقة التاريخ: ميزانية التاريخ لا تُقاس بالأقوال، بل بكتل النشاط المادي والأفكار القابلة للتطبيق الواقعي.
- مسؤولية الآباء: التربية ليست تسمين الأجساد وحمايتها من الأمراض العضوية فحسب، بل هي بناء القلب وحماية الروح من داء الكسل.
- منهجية الاستغلال: يجب وضع خطط عملية للأبناء تشمل:
المنهج النبوي في تعزيز الفاعلية
لقد غرس النبي ﷺ في نفوس أصحابه روح المبادرة والنشاط، ويظهر ذلك في:
1. الاستعاذة من العجز: كان ﷺ يتعوذ بالله دائمًا من “العجز والكسل”، وهما أكبر عائق أمام أي تقدم.
2. الحث على المعالي: قوله ﷺ: “إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها” يضع المسلم أمام مسؤولية أخلاقية لترفع عن التفاهات والتوجه نحو العظائم.
3. قاعدة القوة: التوجيه النبوي “احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز” يجمع بين الإرادة الإنسانية والتوكل الإيماني.
الأزمة المعاصرة: من الكلام إلى الفعل
يعاني واقعنا اليوم من فجوة كبيرة بين “الأفكار النظرية” و”التنفيذ العملي”، فالأمة تمتلك أعظم منهج وهو الإسلام، لكنها تعاني من “انطفاء الفاعلية”.
الإجازات واستثمار الجيل الصاعد
تعتبر الإجازات السنوية اختبارًا حقيقيًا لإرادة الأمة، فمن المحزن أن تُهدر أعمار الشباب في سهر لا ينفع، أو نوم في النهار، أو لهو محرم، تحت ذريعة الترفيه.
* المسار الشرعي: بحلقات العلم والقراءة الواعية.
* المسار المهني: بالدورات التقنية والمهارات اليدوية.
* المسار التجاري: بتعليمهم فنون الكسب الحلال وتحمل المسؤولية المادية.
الخاتمة: طريق التمكين
إن نهضة الأمة تبدأ عندما “يتوب” أبناؤها عن خطيئة الكلام الكثير والعمل القليل. فالتمكين في الأرض ليس مجرد ادعاء للحق، بل هو جهد وعرق وعزيمة وتعبد لله بإتقان العمل. فإذا فرغت من عمل، فانصب لعمل آخر، وإلى ربك فارغب بالنية الصالحة والجهد الدؤوب.

اترك تعليقاً