طريق النجاة: 10 قواعد ذهبية لتحقق الاستقامة في حياتك

# دليل السالكين: عشر قواعد جامعة في تحقيق الاستقامة

إنَّ الاستقامة هي ميزانُ العبد، وغايةُ المطلب، ومنتهى الأرب؛ فهي المنهج الذي يضبط للمسلم مساره في هذه الحياة الدنيا، وهي الحبل المتين الذي يربط قلبه بخالقه جل وعلا. إن الحديث عن الاستقامة ليس مجرد ترفٍ فكري، بل هو حديث عن جوهر الوجود الإسلامي وحقيقة العبودية لله رب العالمين. ومن أجل أن يسير العبد في هذا الدرب بوعي وبصيرة، كان لزاماً عليه أن يفهم القواعد التي تُبنى عليها هذه العبادة العظيمة.

في هذا المقال، سنغوص في أعماق عشر قواعد جوهرية، تمثل خارطة طريق لكل طامح في نيل رضا الله والثبات على دينه حتى الممات.

القاعدة الأولى: الاستقامة مِنة إلهية وهِبةٌ ربانية

يجب على كل مسلم أن يدرك يقيناً أن الاستقامة ليست بذكائه، ولا بجهده المحض، ولا بقوته البدنية أو العقلية؛ بل هي في المقام الأول مِنة مَحضة من الله سبحانه وتعالى. إن الله عز وجل هو الذي يمنُّ على من يشاء من عباده بالهداية، وهو الذي يثبت القلوب على طاعته.

عندما تدرك أن استقامتك هي هبة ربانية، فإن أول شعور يغمر قلبك هو التواضع والافتقار التام للخالق. إن هذا الإدراك يقطع دابر الغرور والعجب بالنفس، فالمؤمن يرى نفسه دائماً محتاجاً إلى فيض الهداية من الله، ولولا تثبيت الله له لزلت به القدم. لذا، فإن أولى خطوات الاستقامة هي الانطراح بين يدي الله طلباً للثبات، والاعتراف بأن كل خير في العبد إنما هو بفضل الله ومنته وحده.

القاعدة الثانية: حقيقة الاستقامة لزوم المنهج القويم والصراط المستقيم

إن الاستقامة في حقيقتها ليست مجرد شعارات تُرفع، أو كلمات تُقال، بل هي اللزوم التام والدائم للمنهج القويم والصراط المستقيم الذي رسمه الله لعباده. هذا الصراط هو الطريق الوسط الذي لا ميل فيه ولا اعوجاج، هو الطريق الذي يجمع بين العلم والعمل، وبين الخوف والرجاء، وبين الظاهر والباطن.

لزوم المنهج يعني ألا يحيد العبد يمنة أو يسرة اتباعاً للهوى أو تأثراً بالفتن. إنها حالة من المراقبة الدائمة لخطوات النفس، والتأكد من أنها تقع دائماً في دائرة ما يرضي الله. فالاستقامة هي الانضباط بالشرع في كل شأن من شؤون الحياة، بحيث يكون الوحي هو القائد والموجه، ويكون العقل تبعاً لما جاء من عند الله.

القاعدة الثالثة: أصل الاستقامة استقامة القلب

إذا أردت أن تبحث عن منبع الاستقامة، فلا تنظر إلى الجوارح أولاً، بل انظر إلى القلب. فالقلب هو الملك، والجوارح هي جنوده ورعاياه، فإذا استقام الملك استقامت الرعية، وإذا فسد فسدت. أصل الاستقامة يبدأ من هذا المضغة الكامنة في الصدر؛ فإذا امتلأ القلب بتعظيم الله، ومحبته، وخشيتة، والإخلاص له، انعكس ذلك فوراً على اللسان بالذكر، وعلى العين بالعفة، وعلى اليد بالبذل، وعلى القدم بالثبات.

إن استقامة القلب تعني تنقيته من الشوائب، وتخليصه من الأمراض التي تعيقه عن السير إلى الله، مثل الكبر والحسد والرياء. عندما يستقيم القلب على التوحيد الخالص، تصبح الاستقامة على العمل الظاهر أمراً يسيراً وتلقائياً، لأن المحرك الداخلي قد ضُبط على مراد الله.

القاعدة الرابعة: الاستقامة المطلوبة من العبد هي السداد، فإن لم يقدر فالمقاربة

من رحمة الله بهذا الإنسان الضعيف أنه لم يكلفه ما لا يطيق. فالاستقامة المطلوبة هي “السداد”، وهو الإصابة الحقيقية للحق والكمال في العبادة والامتثال. ولكن، ولأن البشر جُبلوا على النقص والتقصير، فتح الله لهم باب “المقاربة”.

المقاربة تعني أن يبذل العبد قصارى جهده للوصول إلى السداد، فإذا قصرت به طاقته أو غلبته نفسه في موضع ما، فليجتهد أن يكون قريباً من الحق، مسدداً لخطاه، غير مفرط ولا غافل. هذه القاعدة تمنح المؤمن الأمل وتدفعه للعمل المستمر؛ فهي تخبره بأن الله يقبل منه اجتهاده وحرصه، وأن المطلوب هو دوام المحاولة والاقتراب المستمر من الكمال البشري الممكن، مع الاستغفار الدائم عما يقع من نقص.

القاعدة الخامسة: الاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والنيات

الاستقامة مفهوم شامل لا يقبل التجزئة؛ فهي ليست صلاة بلا خشوع، ولا قولاً بلا عمل، ولا عملاً بلا نية. إنها منظومة متكاملة تشمل:

1. استقامة النيات: وهي إخلاص القصد لله وحده، بحيث لا يبتغي العبد بعمله إلا وجه الله.
2. استقامة الأقوال: وهي حفظ اللسان عن كل ما يغضب الله، من الكذب والغيبة والنميمة، ولزوم الصدق والذكر والكلمة الطيبة.
3. استقامة الأفعال: وهي امتثال الجوارح للأوامر واجتناب النواهي في كل تفاصيل الحياة اليومية.

إن المسلم المستقيم هو الذي ينسجم ظاهره مع باطنه، ويصدق فعله قوله، وتكون حركاته وسكناته كلها محكومة بميزان الشرع.

القاعدة السادسة: لا تكون الاستقامة إلا لله وبالله وعلى أمر الله

هذه القاعدة تلخص أركان الاستقامة الثلاثة التي لا تصح بدونها:

  • لله: وهذا هو الإخلاص؛ فلا تكون مستقيماً من أجل مدح الناس أو نيل وجاهة، بل يكون مقصدك هو الله وحده.
  • بالله: وهذا هو الاستعانة؛ فلا تظن أنك تستقيم بحولك وقوتك، بل اطلب العون من الله في كل لحظة، فإنه لا حول ولا قوة إلا به.
  • على أمر الله: وهذا هو الاتباع؛ فلا تخترع طريقاً للاستقامة من هواك، بل التزم بما شرعه الله وبينه في كتابه وسنة نبيه.

إذا اختل ركن من هذه الأركان، اختلت الاستقامة؛ فمن عمل لغير الله فقد أشرك، ومن اعتمد على نفسه فقد خُذل، ومن خالف أمر الله فقد ابتدع.

القاعدة السابعة: على العبد مهما استقام ألا يتكّل على عمله

من أعظم آفات السالكين في طريق الاستقامة هو الإعجاب بالعمل والاتكال عليه. يجب أن يظل العبد على وجل، مدركاً أن عمله مهما عظم فهو قليل في حق الله، وأن ذنوبه مهما صغرت فهي جديرة بالخوف.

إن الاستقامة الحقيقية هي التي تزيد العبد تواضعاً وانكساراً بين يدي ربه. فالمؤمن لا يرى نفسه ناجياً بعمله، بل يرجو رحمة الله ويخاف عدله. إن الاتكال على العمل يورث الكبر، والكبر يحبط العمل، أما الافتقار إلى الله مع المداومة على الاستقامة فهو سمة المخلصين الذين يعلمون أن دخول الجنة إنما هو برحمة الله وفضله.

القاعدة الثامنة: ثمرة الاستقامة في الدنيا الاستقامة على الصراط يوم القيامة

هناك ارتباط وثيق وجزاء من جنس العمل؛ فمن ثبتت قدمه على صراط الله المستقيم في الدنيا، وثبت على دينه رغم الفتن والمغريات، كان ذلك سبباً في ثباته واستقامته على الصراط الحقيقي المنصوب فوق جهنم يوم القيامة.

إن سرعتك في المرور على ذلك الصراط، وثباتك عليه في ذلك الموقف العصيب، يتناسب طردياً مع استقامتك في هذه الحياة. فالمستقيمون هنا هم الناجون هناك، والذين تتخطفهم الشهوات والشبهات هنا هم الذين يواجهون الصعاب هناك. هذه القاعدة تبعث في النفس العزيمة، وتجعل المؤمن ينظر إلى البعيد، فيصبر على لزوم الاستقامة طمعاً في النجاة الكبرى.

القاعدة التاسعة: الموانع من الاستقامة شبهات الضُّلال أو شهوات الغي

لكل طريق عقبات، وعقبات طريق الاستقامة تنحصر في نوعين من الفتن:

1. شبهات الضُّلال: وهي التي تستهدف العقل والعلم، فتلبس الحق بالباطل، وتثير الشكوك حول الثوابت، وتدعو إلى الانحراف الفكري والابتداع في الدين.
2. شهوات الغي: وهي التي تستهدف الإرادة والقلب، وتدعو إلى اتباع اللذات المحرمة، والانقياد خلف الرغبات النفسية التي تخالف أمر الله.

الاستقامة تتطلب جهاداً مزدوجاً: جهاداً بالعلم الراسخ لدفع الشبهات، وجهاداً بالصبر والتقوى لدفع الشهوات. والمسلم البصير هو من يحذر من هذين المنزلقين، ويعتصم بحبل الله منهما.

القاعدة العاشرة: التشبُّه بالكفار من أعظم الجنوح عن الاستقامة

الاستقامة تعني التميز بالهوية الإسلامية شكلاً ومضموناً. إن التشبُّه بالكفار في عاداتهم، وأخلاقهم، وأنماط حياتهم التي تخالف شرعنا، يعد ميلاً خطيراً عن جادة الطريق. فالمسلم مأمور بأن يكون مستقلاً بشخصيته الإيمانية، معتزاً بمنهجه الرباني.

إن التشبُّه في الظاهر قد يجر إلى التشبه في الباطن، والميل في السلوك قد يؤدي إلى الميل في الاعتقاد. لذا، فإن من كمال الاستقامة أن يتميز المسلم عن غيره، وأن يكون قدوته هو النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، لا أن يذوب في ثقافات ومناهج غريبة عن روح الإسلام ومبادئه.

خاتمة:
إن هذه القواعد العشر هي الأركان التي يقوم عليها بنيان الاستقامة. فاجعلها نصب عينيك، وجاهد نفسك على تحقيقها، واسأل الله دائماً أن يجعلك من عباده المستقيمين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. إن الاستقامة رحلة تبدأ بالنية الصادقة، وتستمر بالمجاهدة، وتنتهي بالفوز بجنات النعيم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *