مقدمة: نداء الفطرة في رحاب الملكوت
الحمد لله الذي جعل في السماء بروجاً، وزينها للناظرين، وصلاةً وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، الذي أُسري به فجال في طباق السماوات ليرى من آيات ربه الكبرى. أما بعد؛ فإن المتأمل في ملكوت السماوات والأرض يجد نفسه أمام لوحةٍ إعجازية لا يحدُّها بصر، ولا يحيط بكنهها فكر، حيث تتمازج الحقيقة العلمية بالدلالة الروحانية لتشكل بياناً إلهياً ناطقاً بوحدانية الخالق وعظمة تدبيره.
في زمنٍ تفتقت فيه العلوم الكونية عن حقائق مذهلة حول بنية الكون وتوزيع المجرات، نجد القرآن الكريم قد سبق بكلمةٍ واحدة اختزلت مجلدات الفيزياء الحديثة، وهي قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ) [الذاريات: 7]. هذه الآية العظيمة تفتح لنا باباً واسعاً لدراسة ما نطلق عليه اليوم ‘طوبولوجيا النسيج المحبوك’، وهو العلم الذي يبحث في الخصائص الهندسية والفيزيائية للكون كبنية واحدة مترابطة لا انفصام فيها.
دلالة ‘الحُبُك’ في اللغة والتفسير
قبل الولوج في أعماق الفيزياء، لابد لنا من وقفةٍ متأنية مع اللفظ القرآني ‘الحُبُك’. يقول الإمام القرطبي في تفسيره: ‘الحُبُك هي الطرائق الحسنة، كالرمل إذا مرت عليه الريح الساكنة، أو كالحبكة في الثوب إذا أجيد نسجه’. ويشير اللغويون إلى أن أصل ‘الحبك’ يدل على شدة الإحكام وتماسك الخيوط وتداخلها بانتظام بديع.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى (ذَاتِ الْحُبُكِ) قال: ‘ذات الزينة، والجمال، والاستواء، والعدل’. ومن هنا ندرك أن القرآن لا يصف مجرد منظرٍ جمالي، بل يصف ‘طبيعة إنشائية’ قائمة على الإحكام الهندسي المتناهي، حيث لا مكان للصدفة أو العشوائية، بل هو نسيجٌ محكم شُدت أطرافه بقدرة الله تعالى، كما قال سبحانه: (مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ) [الملك: 3].
الشبكة الكونية: قراءة في فيزياء النسيج
في العقود الأخيرة، استخدم علماء الفلك والفيزياء الكونية مصطلح ‘الشبكة الكونية’ (The Cosmic Web) لوصف توزيع المادة في الكون. لقد اكتشف العلم أن المجرات ليست مبعثرة بطريقة عشوائية، بل هي مصطفة على طول ‘خيوط’ (Filaments) عظيمة من المادة المظلمة والغاز، تربط بينها عُقد ضخمة من العناقيد المجرية، وتفصل بينها فراغات هائلة.
هذا الوصف العلمي يتطابق بشكل مذهل مع مفهوم ‘الحبك’. فالكون ليس فراغاً موحشاً، بل هو ‘نسيج محبوك’ من الروابط الجاذبية التي تمسك بكيان السماء. إن هذه الطوبولوجيا الكونية تكشف عن:
- الترابط الوثيق: حيث يؤثر كل جزء في الكون على الأجزاء الأخرى عبر نسيج الزمكان.
- التوازن الدقيق: الذي يمنع هذا النسيج من التمزق أو الانهيار، وهو مصداق قوله تعالى: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [الحج: 65].
- التدفق والمسارات: وهي المسارات التي تتحرك فيها الأجرام السماوية بانتظام لا يختل، وهو ما أشار إليه النبي ﷺ في وصف عظمة الخلق وسعته.
تجليات الإحكام الهندسي ومعمار السماء
إن دراسة طوبولوجيا السماء تعني البحث في ‘هندسة الوجود’. فعندما نتحدث عن السماء بأنها ‘بناء’، كما في قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) [الذاريات: 47]، فإننا نتحدث عن قوانين فيزيائية ثابتة (Constants) تجعل من هذا الكون صرحاً متماسكاً. السماء في التصور الإسلامي ليست مجرد فضاء خالٍ، بل هي طبقات محكمة وبناء متين.
وهذا الإحكام يتجلى في مستويين:
- المستوى الماكرو (الكبير): حيث تترابط العناقيد المجرية في خيوط تمتد لمئات الملايين من السنين الضوئية، مشكلةً ما يشبه نسيج القماش الفاخر.
- المستوى الميكرو (الدقيق): حيث تنضبط حركة الذرات والجسيمات بنفس القوانين التي تحكم المجرات، مما يدل على أن الصانع واحد، سبحانه وتعالى.
إن هذا ‘الحبك’ الهندسي يضمن استقرار الكون؛ فلو اختل ثابت الجاذبية أو تمدد النسيج بسرعة تختلف عما هو مقدر له، لتمزقت هذه الحبكة ولاستحالت الحياة. لقد روى الإمام مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: ‘النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد’، وهذا يشير إلى الارتباط البنيوي بين مكونات السماء وبقائها.
البعد الروحاني: من مشاهدة النسيج إلى شهود الخالق
إن الغاية من دراسة طوبولوجيا النسيج المحبوك ليست مجرد إشباع الفضول العلمي، بل هي وسيلة لتعميق الإيمان وتجديد الصلة بالخالق. إن المؤمن عندما يقرأ عن ‘أوتار’ الكون أو ‘خيوط’ الشبكة الكونية، يستحضر عظمة المصور الذي أحسن كل شيء خلقه.
إن هذا الإحكام الكوني يورث في القلب طمأنينة؛ فمن أحكم بناء السماوات ذات الحبك، وتولى أمر المجرات في مساراتها، لن يعجزه تدبير شؤون العبد الضعيف. إن ‘الحبك’ في السماء يقابله ‘إحكام’ في التشريع، وكلاهما صادر من مشكاة واحدة. وكما أن السماء لا خلل فيها ولا فطور، فإن منهج الله في كتابه وسنة نبيه ﷺ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
خاتمة: تأملات في ملكوت السماء
في ختام هذا البيان، ندرك أن ‘طوبولوجيا النسيج المحبوك’ هي لغة العلم الحديث التي بدأت تفك شفرات الألفاظ القرآنية العميقة. إن قوله تعالى (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ) سيبقى آيةً متجددة تخاطب العقول في كل زمان ومكان. إنها دعوة لكل باحث وعالم ومؤمن ليرفع بصره نحو السماء، ليس بنظرة عابرة، بل بنظرة فاحصة تدرك أن وراء كل خيط في هذا النسيج، وراء كل مجرة، وراء كل نجم، إرادة إلهية حكيمة، وقدرة لا يعجزها شيء.
نسأل الله العظيم أن يرزقنا بصيرةً نرى بها آياته في الآفاق وفي أنفسنا، وأن يجعل علمنا نافعاً يقربنا إليه زلفى. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً