عاقبة الظلم: احذر ظلمات القيامة ودعوة المظلوم التي لا ترد

# عاقبة الظلم: تحذيرٌ نبويٌّ وصرخةٌ نذيرٍ من ظلماتِ يومِ القيامة

مقدمة: حقيقة الظلم وخطره الداهم

عباد الله، اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. إنَّ من أعظم المهلكات التي تعصف بالفرد والمجتمع، وتورد الموارد الردية، وتجلب غضب الجبار، هو “الظلم”. هذا الداء العضال الذي ما حلَّ في ديار إلا أهلكها، ولا في نفوس إلا أفسدها.

إنَّ الظلم ليس مجرد ذنبٍ عابر، بل هو ظلماتٌ متراكمة يواجهها العبد يوم القيامة حين يحتاج إلى بصيص نور. هو سببٌ أصيل لكل شر وبلاء، ومنبعٌ لكل فساد يظهر في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. فبالظلم تضيع الحقوق، وبالظلم تُسفك الدماء، وبالظلم تُنتهك الأعراض، وبالظلم يُؤكل السحت. فاتقوا الظلم عباد الله، فإنه ظلمات يوم القيامة، وهو الجُرم الذي استعاذ منه الأنبياء، وحذر منه المرسلون.

التحريم الإلهي: «إني حرمت الظلم على نفسي»

لقد بلغ من شأن الظلم وخطورته أنَّ الله جل جلاله، وهو القوي العزيز، الملك العدل، قد نزّه نفسه القدسية عنه تنزيهاً مطلقاً. ففي الحديث القدسي العظيم الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل، قال الله تعالى: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلَا تَظَالَمُوا».

تأملوا يا رعاكم الله في هذا النداء الرباني؛ فالله الذي خلق الخلق وهو مالكهم، والذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، حرّم الظلم على نفسه فضلاً منه وعدلاً. فإذا كان الخالق سبحانه قد حرّم الظلم على نفسه، فكيف بعبدٍ ضعيفٍ فقير لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً أن يتجرأ على عباد الله بالظلم؟ إنَّ قوله تعالى «فَلَا تَظَالَمُوا» نهيٌ صريح وقاطع، يشمل كل صور الظلم، سواء كان ظلماً للنفس أو ظلماً للغير، صغيراً كان أو كبيراً.

أعظم الظلم وأشده: الشرك بالله تعالى

واعلموا يا عباد الله أنَّ للظلم مراتب، وأعظم هذه المراتب وأخطرها على الإطلاق هو الشرك بالله تعالى. فالشرك هو وضع العبادة في غير موضعها، وصرف حق الخالق للمخلوق، وهذا هو عين الجور والظلم. نعوذ بالله من الخذلان ومن الشرك.

لقد سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَعْظَمُ؟ قَالَ ﷺ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». هذا هو الظلم الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة النصوح قبل الممات. ولما نزلت الآية الكريمة: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}، شقَّ ذلك على أصحاب النبي ﷺ، وخافوا خوفاً شديداً، وقالوا: أيُّنا لم يظلم نفسه؟ فكل ابن آدم خطاء، وظلم النفس بالمعاصي واقعٌ لا محالة. فبين لهم النبي ﷺ الحقيقة الغائبة، فقال لهم: «لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا كَمَا قَالَ لُقْمَانُ: {يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}».

فالشرك هو الظلم الأكبر الذي يحبط العمل ويخلد صاحبه في النار إن مات عليه، فاحذروا من صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، وحققوا التوحيد لعلكم ترحمون.

عقوبة الظلم المعجلة في الدنيا

إنَّ من السنن الإلهية التي لا تتبدل، أنَّ الظلم ذنبٌ يُعجّل الله العقوبة لصاحبه في الدنيا قبل الآخرة. فالظالم قد يغترُّ بإمهال الله له، ويظنُّ أنه بمنأى عن الحساب، ولكن هيهات هيهات! إنَّ الله يمهل ولا يهمل.

يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلُ اللهُ لِصَاحِبِهِ العُقُوبَةَ فِي الدُّنيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ البَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ». والبغي هو الظلم والتجاوز على حقوق الناس. فانظروا كيف قرن النبي ﷺ بين عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة للظالم؛ فله في الدنيا خزيٌ وندامة، وفي الآخرة عذابٌ شديد. إنَّ عقوبة الظالم قد تأتي في ماله، أو في صحته، أو في ولده، أو في زوال ملكه وجاهه، وهي رسالة لكل ظالم أن يفيق من سكرته قبل فوات الأوان.

صور الظلم في واقعنا المعاصر

عباد الله، إنَّ للظلم صوراً كثيرة ومظاهر متعددة قد يقع فيها المرء وهو لا يشعر، أو يتساهل فيها وهي عند الله عظيم. ومن أخطر هذه الصور:

أولاً: ظلم العباد وأكل أموالهم بالباطل

إنَّ التعدي على أموال الناس بالسرقة، أو النهب، أو الاحتيال، أو الغش في المعاملات، هو من أشد أنواع الظلم. قال جل وعلا محذراً: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.

وفي صحيح مسلم، يضع النبي ﷺ قاعدة شرعية صارمة لكل من تسول له نفسه ادعاء ما ليس له، فقال ﷺ: «مَن اِدَّعى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ منَّا وليتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ». فالحذر الحذر من الطمع في حقوق الآخرين، فدرهمٌ واحدٌ من حرام كفيلٌ بأن يورد صاحبه المهالك.

ثانياً: تقصير الموظفين وضياع الأمانة

ومن صور الظلم الخفية التي عمت بها البلوى: تفريط الموظف في عمله، أو تقصيره في أداء واجبه الذي يتقاضى عليه أجراً. إنَّ تعطيل مصالح المسلمين، أو استغلال المنصب لتحقيق مآرب شخصية، أو المحاباة على حساب الكفاءة، كل ذلك من الظلم المحرم وأكل المال بالباطل. إنها خيانة للأمانة ومسؤولية عظيمة سيُسأل عنها العبد بين يدي الله.

ثالثاً: ظلم الأجراء والعمال

ومن الظلم الذي يندى له الجبين، ما يقع فيه بعض الناس من ظلم الأجراء من عمال وخادمات ونحوهم. إنَّ بخسهم حقوقهم، أو المماطلة في أداء أجورهم، أو تحميلهم ما لا يطيقون من العمل، أو تأخير رواتبهم لغير عذر، هو ظلمٌ يوجب مقت الله. فاتقوا الله في هؤلاء الضعفاء، وأعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه.

دعوة المظلوم: السهم الذي لا يخطئ

يا من ظلمت وتكبرت، ويا من تجبرت واستقويت بمالك أو منصبك، احذر دعوة المظلوم! فبينما أنت تنام قرير العين، هناك مظلومٌ يرفع كفيه إلى السماء، وعينه تدمع، وقلبه يحترق، يدعو عليك في جوف الليل.

يقول النبي ﷺ في وصيته لمعاذ بن جبل: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ». إنها دعوةٌ تسري في الآفاق، يرفعها الله فوق الغمام، ويقول لها: «وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين». فإياك ودعوة مظلومٍ قد تصيبك في أعز ما تملك، فتتمزق بها بركة مالك، وتنهار بها صحة بدنك، وتشتت بها شمل أسرتك، وأنت لا تدري أنَّ السبب هو ذلك الظلم الذي استهنْتَ به.

يوم الخصومة الكبرى: «إنَّ الأمرَ إذًا لشديدٌ»

اعلموا -عباد الله- أنَّ الله جل وعلا يمهل ولا يهمل، وأنَّ الحقوق لا تسقط بالتقادم. فإذا نجا الظالم في الدنيا بماله أو جاهه، فأين يفر يوم القيامة؟ يوم تُنصب الموازين القسط، ويُحشر الناس لرب العالمين.

روى الترمذي عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: لما نزلت قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}، قال الزبير: يا رسول الله، أتكررُ علينا الخصومة يوم القيامة بعد الذي كان بيننا في الدنيا؟ قال ﷺ: «نَعَم». قال الزبير: «إنَّ الْأَمْرَ إذًا لشديدٌ» (حسنه الإمام الألباني).

نعم يا عباد الله، إنَّ الأمر شديد! ستُفتح الملفات القديمة، وتُعرض المظالم الدقيقة، ويقتصُّ الله للمظلوم من الظالم، حتى يُقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. فماذا أعددت لذلك اليوم؟ وكيف ستواجه خصومك بين يدي الله؟

خاتمة: نداء للتوبة ورد الحقوق

فاتقوا الله عباد الله، وبادروا بالتوبة النصوح، وردوا الحقوق إلى أهلها قبل أن يأتي يومٌ لا بيع فيه ولا خلال. يا من ظلمت أحداً بكلمة أو فعل، اطلب منه العفو اليوم قبل أن يُؤخذ من حسناتك غداً. وإن كان الظلم مالياً فرده إلى أصحابه، وإن تعذر فاستغفر لهم وتصدق عنهم، لعل الله يتوب عليك.

اللهم إنا نعوذ بك من أن نَظلم أو نُظلم، اللهم طهر قلوبنا من الغل والحقد، واجعلنا من عبادك المقسطين. واعلموا أنَّ العاقبة للمتقين، وأنَّ الظلم مهما طال ليله، فلا بد من بزوغ فجر العدل الإلهي.

كتبه بتصرف عن أصل المقال للشيخ: فهد بن حمد الحوشان.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *