# عاقبة الظلم في الإسلام: نداء الحذر من ظلمات يوم القيامة
مقدمة: الإسلام دين العدل والرحمة
يا معاشر المسلمين، إن المتأمل في جوهر هذا الدين الحنيف يدرك يقيناً أن الإسلام لم يأتِ إلا ليرتقي بالإنسان، ويهذب النفوس، ويقيم موازين القسط في الأرض. لقد جاء الإسلام بمبادئ سامية، وقواعد ربانية متينة، تهدف في مقامها الأول إلى حماية الضرورات الخمس، وإصلاح المجتمعات البشرية وتوجيهها نحو فلاح الدنيا والآخرة.
لقد أقام الشرع المطهر دعائم العدل والإحسان، وفصّل الحقوق والواجبات تفصيلاً دقيقاً، لكي يحيى الناس جميعاً في ظلال مجتمع متماسك، لا تفرقه الأطماع ولا تمزقه الأحقاد، مجتمع تسوده المحبة والوئام، وترفرف على جنباته معاني الرحمة والسلام. إن الغاية العظمى من هذه التشريعات هي النأي بالبشرية عن مهاوي الظلم والطغيان، وحمايتها من نزعات البغي والعدوان التي تدمر الحرث والنسل.
حقيقة الظلم وشناعته في ميزان الشرع
إن حقيقة الظلم في لغة العرب وفي اصطلاح الشرع هي “وضع الشيء في غير موضعه”. وهذا الفعل، بمدلوله العميق، ينافي كمال الله تعالى المطلق وعدله الذي قامت عليه السماوات والأرض. ولذلك، نزه رب العزة والجلال نفسه القدسية عن الظلم؛ تنزيهاً يليق بجلاله، وتأكيداً على قبح هذا المسلك وشناعته.
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}، ويقول عز من قائل: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ}. وفي الحديث القدسي العظيم الذي يزلزل القلوب، يقول الله تبارك وتعالى: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا» (رواه مسلم).
فإذا كان الخالق سبحانه، وهو القوي القادر، قد حرم الظلم على نفسه، فكيف بعبد ضعيف فقير يتجرأ على عباد الله بالظلم والعدوان؟ إن الإسلام لم يحذر من شيء كما حذر من الظلم، ولم يتوعد الله أحداً بمثل ما توعد به الظالمين من الخزي والنكال.
الوعيد الرباني للظالمين: استدراج ثم أخذ أليم
إن الظالم قد يغتر بصبر الله عليه، وقد يظن أن إمهال الله له هو إهمال لفعلته، ولكن هيهات! يقول الله تعالى محذراً: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}. إن للظالمين عند الله ذلاً ومهانة، وخزياً وندامة، يكفيهم فظاعة أنهم طردوا من رحمة الله الواسعة، ودخلوا تحت لعنة الجبار، حيث قال سبحانه: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}.
ومن أعظم العقوبات التي تحل بالظالم حرمانه من الهداية والتوفيق، قال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. والظالم مهما علا شأنه في الدنيا، فإن الله له بالمرصاد، يملي له ليزداد إثماً، حتى إذا حانت ساعة الحساب أخذ أخذ عزيز مقتدر. قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثم قرأ ﷺ مؤكداً هذا المعنى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (متفق عليه).
إن الظلم وخيم المرتع، سيئ العواقب، وهو النذير بهلاك الديار وخلوها من سكانها، وهو الجالب للعار والشنار في الدنيا قبل الآخرة. وقد لخص النبي ﷺ مآل الظلم في الآخرة بكلمات جامعة مانعة فقال: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه مسلم).
الوصية النبوية في أعظم مجمع
لقد حرص النبي ﷺ على تأكيد حرمة المظالم في أعظم مشهد وأجل موقف، وذلك في خطبة الوداع أمام الآلاف من المسلمين، لتبقى هذه الكلمات دستوراً خالداً للأمة. قال ﷺ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» (رواه البخاري).
ولم يكتفِ بذلك، بل وضع القواعد الأخلاقية للتعامل بين المسلمين، فقال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ» (رواه مسلم). فكل فعل يؤدي إلى كسر نفس المسلم أو انتقاص حقه أو تضييع أمانته هو نوع من الظلم الذي يبرأ منه الإسلام.
صور الظلم وأنواعه المتعددة
إن للظلم صوراً كثيرة، وهو يتفاوت في درجاته وخطورته، ومن المهم أن يدرك المسلم هذه الأنواع ليتجنب الوقوع فيها:
أولاً: الظلم الأكبر (الشرك بالله)
أعظم الظلم وأشده وأشنعه هو الكفر والشرك بالله عز وجل؛ لأن المشرك جعل لله نداً وهو خلقه، ووضع العبادة في غير موضعها الصحيح. قال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، وقال سبحانه حكاية عن لقمان: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.
ثانياً: ظلم العبد لنفسه
ويكون ذلك بارتكاب الذنوب والمعاصي، والتفريط في جنب الله، وإضاعة الفرائض والواجبات، والتهاون بحدود الله التي حدها لعباده. قال تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}. فكل معصية يفعلها الإنسان هي في الحقيقة ظلم لنفسه، لأنه يعرضها لسخط الله وعقابه.
ثالثاً: الظلم في محيط الأسرة
1. عقوق الوالدين: وهو من أعظم المظالم، بأن يحرمهما العبد من حقهما في البر والصلة، أو يهملهما عند حاجتهما الماسة للرعاية والعناية.
2. ظلم الأولاد: بتضييع حقوقهم في التربية الصالحة، أو عدم العدل بينهم في العطايا والهبات، مما يورث بينهم الأحقاد ويدفعهم نحو الانحراف.
3. ظلم المرأة: سواء كانت أماً أو زوجة أو أختاً، بحرمانها من حقوقها المالية كالمهر والنفقة، أو الاعتداء عليها بالضرب والتعنيف، أو الميل لإحدى الزوجات دون الأخرى في حال التعدد.
رابعاً: الظلم في الأموال والحقوق المالية
- أكل أموال اليتامى: وهو من الموبقات العظيمة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}.
- جحد الديون والمماطلة: فمن كان غنياً قادراً على الوفاء وماطل صاحب الحق فقد ظلم، قال ﷺ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (متفق عليه).
- ظلم الأجراء والعمال: بعدم إعطائهم أجورهم فور استحقاقها، أو تكليفهم بما يفوق طاقتهم البشرية.
- التعدي على الأملاك: سواء كانت خاصة أو عامة، واقتطاع الأراضي بغير حق. قال ﷺ محذراً: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ؛ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (متفق عليه).
خامساً: الظلم الوظيفي والإداري
ويتمثل في تفريط الموظف في مهامه، واستغلال منصبه لتحقيق مآرب شخصية، أو تعطيل مصالح الناس عمداً. وقد دعا النبي ﷺ على من شق على المسلمين فقال: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ؛ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ؛ فَارْفُقْ بِهِ» (رواه مسلم).
سادساً: ظلم الأعراض واللسان (الظلم المعنوي)
وهذا النوع من أخطر المظالم لسهولة الوقوع فيه، كالغيبة والبهتان والافتراء على البرآء، ونشر الإشاعات المغرضة. وفي عصرنا الحالي، امتد هذا الظلم إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يخط البعض كلمات تؤذي الناس، وتشوه صورهم بالباطل، أو يتطاولون على العلماء وولاة الأمر وعباد الله بغير حق، حسداً من عند أنفسهم.
الخاتمة: دعوة المظلوم وسوء العاقبة
أيها المسلمون، إن المظالم لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء. فالحذر الحذر من سوء العاقبة، فالله لا يضيع عنده حق. قال ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، وعندما سُئل ﷺ: وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: «وَإِنْ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ» (رواه مسلم).
واعلموا أن دعوة المظلوم سهام لا تخطئ، تفتح لها أبواب السماء، ويرفعها الله فوق الغمام ويقول: “وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين”. لقد أوصى النبي ﷺ معاذاً حين بعثه إلى اليمن فقال له: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُوْمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْلَّهِ حِجَابٌ» (متفق عليه).
فلنتقِ الله في عباده، ولنؤدِّ الحقوق إلى أهلها قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات والسياسات. اللهم اجعلنا من أهل العدل والقسط، وأعذنا من الظلم بجميع أنواعه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً