# عذرية القلب في زمن الانفتاح الرقمي: صيانة الروح من فتن التواصل
في عصرٍ باتت فيه الشاشاتُ نوافذَ مشرعةً على الخصوصيات، وفي فضاءٍ رقميٍّ تلاشت فيه الحواجزُ المكانية، أضحى القلبُ هدفاً لسهامٍ مسمومةٍ تُغلف أحياناً بغلافِ التقوى وطلبِ العلم. إنَّ الحديث عن “عذرية القلب” ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورةٌ شرعيةٌ ونفسيةٌ لحمايةِ أثمن ما يملكه الإنسان: طهارةَ روحه وصفاءَ علاقته بخالقه.
وهمُ الملائكية: حقيقة البشر خلف شاشات العلم
تُخطئُ الكثيرُ من الفتياتِ حين يمنحنَ ثقةً مُطلقةً وعمياءَ لكلِّ من رُسِمَت حوله هالةُ التديُّن، أو عُرِفَ بين الناس بطلبِ العلمِ والدعوة. إنَّ الانبهارَ بالسمتِ الظاهرِ قد يُعمي البصيرةَ عن حقيقةٍ إنسانيةٍ كبرى، وهي أنَّ هؤلاءِ الرجالَ -مهما بلغوا من العلمِ والفضل- ليسوا ملائكةً منزَّهين من السماء، بل هم بشرٌ تجري في عروقهم الرغبات، وتعتري نفوسَهم الضعفات.
إنَّ كونَ الرجلِ تقياً، أو طالباً للعلمِ الشرعي، أو غاضاً للبصرِ في مَحافِلِ الناس، هو أمرٌ محمودٌ ومطلوب، لكنَّه يظلُّ صفةً مكتسبةً معرَّضةً للتغييرِ والزوالِ في لحظاتِ الغفلة. أما كونُه رجلاً يميلُ بطبعه وفطرته إلى النساء، فهذا أصلٌ ثابتٌ وجبلَّةٌ لا تنفكُّ عنه. لذا، فإنَّ الحذرَ في التواصلِ مع كلِّ أجنبيٍّ هو صمامُ الأمان، فالحيُّ لا تُؤمنُ عليه ولا منه الفتنة، والتاريخُ القريبُ والبعيدُ يغصُّ بقصصِ من سقطوا في أوحالِ الفتنِ بعد أن ظنَّ الناسُ بهم خيراً.
حقائقُ مؤلمة خلف كواليس “الخاص”
لا نودُّ هنا أن نفتحَ جراحاً، أو ننشرَ مآسٍ وصلت إلينا عبر رسائلِ المستغيثات، لكنَّ الواقعَ يفرضُ نفسه بقوة. كم من فتاةٍ بدأت رحلتها بسؤالٍ شرعيٍّ أو استشارةٍ علميةٍ مع من تظنُّ فيه الصلاح، فانتهى بها المطافُ متعلقةً بـ “طالب علم” مزعوم، استغلَّ ثقتها، وغرَّر بقلبها الصغير، ثم ما لبث أن تركها حطاماً تذروه الرياح، مكسورةَ الخاطر، مخدوشةَ العفاف، تُعاني ويلاتِ الندمِ والحسرة.
إنَّ هذه الصورَ المتكررةَ تحتمُ علينا نبذَ “المثالية الكاذبة” التي يدَّعيها البعض، والاعترافَ بأنَّ التواصلَ العلميَّ أو التطوعيَّ “النقيّ” تماماً من الشوائبِ العاطفيةِ هو عملةٌ نادرةٌ جداً في ظلِّ الانفتاحِ الإلكتروني. الميلُ الفطريُّ للجنسِ الآخرِ حقيقةٌ لا ينكرها إلا مكابرٌ يجهلُ طبائعَ النفس، أو ضعيفُ عقلٍ لا يدركُ المآلات، أو ضعيفُ تقوى يستدرجه الشيطانُ من حيثُ لا يحتسب.
خطوات الشيطان: كيف يبدأ الانزلاق؟
يقولُ اللهُ تبارك وتعالى في كتابه الكريم: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ”. إنَّ الشيطانَ لا يدعو العبدَ إلى الفاحشةِ مباشرةً، بل يبدأُ معه بخطواتٍ يسيرةٍ مستصغرة. تبدأُ القصةُ بمزحةٍ عابرة، أو ضحكةٍ إلكترونية، أو دردشةٍ جانبيةٍ في موضوعٍ عام، ولسانُ حالِ العبدِ يقول: “هذا لن يؤثرَ على قلبي، أنا أكبرُ من ذلك!”.
وهنا يكمنُ الجهلُ المطبقُ بطبائعِ النفسِ البشرية. إنَّ من سبرَ أغوارَ القلوبِ يدركُ تماماً أنَّ هذه التجاوزاتِ البسيطةَ هي حافةُ الجُرفِ المتهالكة. الاستئناسُ بالحديثِ بين الجنسين، ولو كان تحت ستارِ طلبِ العلمِ أو العملِ التطوعي، هو مفسدةٌ كبرى تجرُّ وراءها مفاسدَ عِظاماً. ففي أعماقِ النفسِ رغباتٌ كامنةٌ لا تنتظرُ سوى لحظةِ غفلةٍ لتنفجر، فكيف بنا ونحن نعيشُ في زمنٍ غرقنا فيه في الغفلةِ حتى الأذقان!
مخاطرُ الاختلاطِ تحت رايةِ العملِ النبيل
من المظاهرِ التي تستوجبُ الوقوفَ طويلاً، تلك التجمعاتُ والأسفارُ المختلطةُ التي تُرفعُ فوقها راياتٌ براقة، مثل “الدفاع عن الدين”، أو “نفع البشرية بالأعمال التطوعية”. إنَّ القاعدةَ الفقهيةَ والتربويةَ تقول: “مصلحةُ النفسِ مقدمةٌ على منفعةِ الناسِ عند التعارض”. فلا خيرَ في عملٍ ينفعُ الآخرين بينما يهدمُ أسوارَ العفةِ في قلبِ صاحبه.
إنَّ استمراءَ المحاورةِ بلا ضرورة، والمزاحَ المتبادل، والتبسُّطَ في النشرِ والتعليق، يفتحُ أبواباً للشيطانِ لها عواقبُ وخيمة. والتساهلُ في التواصلِ عبرَ الرسائلِ الخاصةِ هو أخطرُ المزالقِ التي تؤدي إلى أوحالِ الفتن. وحريٌ بكلِّ “حواء” أن تُغلقَ هذا البابَ تماماً، فهي في الغالبِ الضحيةُ الأولى والمستهدفةُ في هذه الصراعاتِ النفسية.
قاعدةٌ ذهبية لآدم: أترضاه لأختك؟
أما أنتَ يا آدم، يا من تتساهلُ في الحديثِ مع النساء تحت أيِّ مبرر، فضع هذه القاعدةَ أمامَ عينيكَ دائماً، واجعلها نبراساً يضيءُ لكَ طريقَ العفة: “أترضاه لأختك؟”. قد يستهزئُ البلهاءُ بهذه القاعدةِ ويصفونها بالرجعية، لكنها تظلُّ الميزانَ الأخلاقيَّ الأصيلَ الذي يحمي الأعراضَ ويصونُ القلوب.
إنَّ الكثيرَ من الأمورِ التي نراها اليوم “مستصغرة” في التواصلِ بين الجنسين، تقومُ في الحقيقةِ بدكِّ أسوارِ القلوبِ سوراً بعد سور، دون أن نشعر. حتى يصحو المرءُ يوماً ليجدَ قلبه قد أصبح أسيراً معلولاً لغيرِ خالقه، معلقاً بصورةٍ أو كلمةٍ أو شخصٍ وراء الشاشة، وهنا تبدأُ فصولُ المعاناةِ الحقيقيةِ والشتاتِ النفسي.
هل هذا تشدد؟
قد يرى البعضُ في هذا الكلامِ نوعاً من التشددِ أو المبالغة، ولكنَّ الواقعَ يشهدُ أنَّ هذا هو عينُ الصوابِ الذي يحمي القلوب. إنَّ القلبَ الأسيرَ الذي وقعَ في فخِّ التعلقِ المحرَّم سيخبركَ يوماً ما -وبعد فواتِ الأوان- أنَّ الحزمَ في البدايات كان هو الرحمةَ الحقيقية.
نصائح عملية لصيانة القلب:
- انتقِ من تتابع: كثرةُ رؤيةِ التجاوزاتِ والتبسُّطِ بين الجنسين بلا إنكارٍ تؤثرُ في القلبِ تدريجياً، حتى يستسيغها المرءُ ويقعَ فيها دون إدراك.
- الرسمية في التعامل: اجعل تواصلكَ -عند الضرورةِ القصوى- في أضيقِ الحدودِ وبأعلى درجاتِ الرسميةِ والوقار.
- إغلاق الخاص: لا تفتح بابَ الرسائلِ الخاصةِ إلا لضرورةٍ ملحةٍ جداً، وبضوابطَ صارمة.
- مراقبة الله: تذكر أنَّ اللهَ يعلمُ خائنةَ الأعينِ وما تُخفي الصدور، وأنَّ كلَّ حرفٍ تكتبه مرصودٌ في كتابِك.
الخاتمة: صيانةً لقلبي وقلوبكم
لقد كُتبت هذه الكلماتُ من حرقةٍ في القلب، واضطرامٍ في النفسِ جراءَ رؤيةِ أفاضلَ وفاضلاتٍ سقطوا في هذه المهالكِ الرقمية. اعتبروا هذا الكلامَ ما شئتم؛ تخلفاً، تشدداً، رجعيةً، أو تعقيداً. أما أنا، فقد قلتُ ما أراه حقاً، وما يمليه عليَّ ضميري، وما أرجو به النجاةَ لنفسي ولكم أمامَ الله.
إنَّ القلوبَ أمانة، وعذريتها وطهارتها هي رأسُ مالِ المؤمنِ في سيره إلى الله، فلا تفرطوا في هذا الكنزِ من أجلِ لحظاتٍ عابرةٍ أو سرابٍ إلكترونيٍّ خادع.
والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاته.

اترك تعليقاً