علم الوجوه والنظائر: أسرار إعجاز القرآن ومعانيه العميقة

مقدمة: في رحاب مائدة الله الخالدة

إن القرآن الكريم ليس مجرد كلمات تُتلى، بل هو بحر خضم لا ساحل له، وجوهرة مكنونة تتلألأ في سماء الوجود، أنزله الله تعالى ليكون هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان. ومن عجائب هذا الكتاب العظيم أن ألفاظه ليست مجرد قوالب لغوية جامدة، بل هي كائنات حية تنبض بالمعاني، وتتغير دلالاتها وتتنوع وجوهها لتناسب السياق الرباني المعجز. ومن هنا، بزغ نجم علم شريف من أجلّ علوم القرآن قدرًا، وأعظمها أثرًا، وهو “علم الوجوه والنظائر”.

هذا العلم الذي يفتح للمؤمن آفاقًا رحبة لفهم مراد الله تعالى، ويجعله يقف خاشعًا أمام دقة النظم القرآني، حيث تجد الكلمة الواحدة تارة تلبس ثوبًا من المعنى في سياق، ثم تتزين بمعانٍ أخرى في سياق آخر، لتدلنا على أن هذا الكلام لا يمكن أن يكون من صنع بشر، بل هو وحي من لدن حكيم خبير.

ما هو علم الوجوه والنظائر؟

قبل أن نبحر في أعماق الأمثلة والدروس، لا بد لنا من الوقوف على عتبة التعريف. فماذا يقصد العلماء بالوجوه والنظائر؟

إن الوجوه في اصطلاح علماء القرآن: هي أن تُستعمل الكلمة الواحدة في مواضع متعددة من القرآن الكريم، ولكنها في كل موضع تحمل معنىً مختلفًا عن الموضع الآخر. إنها كلمة واحدة في المبنى، لكنها متعددة في المعنى، وكأن لها وجوهًا شتى تلتفت بها إلى سياقات متنوعة.

أما النظائر: فهي أن ترد الكلمة الواحدة في مواضع متعددة من القرآن الكريم، وتكون في كل تلك المواضع حاملة لمعنى واحد لا يتغير. فهي نظائر لبعضها البعض في اللفظ والمعنى معًا، تشبه بعضها في كل موطن حلت فيه.

إن الفرق بينهما هو فرق بين التنوع والوحدة، فبينما تبرز “الوجوه” مرونة اللغة العربية وسعة دلالاتها تحت ظلال الوحي، تبرز “النظائر” وحدة المنهج والرسالة التي يسوقها القرآن الكريم في قضايا معينة.

تجليات الوجوه في القرآن الكريم: لفظ “المحصنات” نموذجاً

دعونا نتأمل في جمال هذا العلم من خلال لفظ واحد ذكره العلماء كنموذج فذٍّ للوجوه، وهو لفظ “المحصنات”. هذا اللفظ مشتق من “الحصن”، وهو المنعة والحماية، ولكن القرآن الكريم استخدمه في ثلاثة وجوه رئيسية، كل منها يفتح بابًا من أبواب الفقه والأخلاق:

الوجه الأول: المحصنات بمعنى المتزوجات

في هذا السياق، يأتي لفظ المحصنات ليشير إلى النساء اللاتي دخلن في حصن الزوجية، فأصبحن ممنوعات على غير أزواجهن. يقول الله تبارك وتعالى في سورة النساء: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم}. هنا، المراد بالمحصنات هن ذوات الأزواج، حيث حرم الله نكاح المرأة التي هي في عصمة رجل آخر، صيانةً للأنساب، وحفظًا لكيان الأسرة من الشتات والضياع. يا له من تشريع حكيم يضع المرأة في حصن من الكرامة لا يجرؤ أحد على استباحته.

الوجه الثاني: المحصنات بمعنى العفيفات

وهنا ينتقل المعنى من الحصن القانوني (الزواج) إلى الحصن الأخلاقي (العفة). فالمرأة العفيفة هي التي حصنت نفسها بجمال الخلق وطهارة الروح عن دنس الفواحش. يقول الله تعالى في سورة النور: {والذين يرمون المحصنات}. المراد هنا هن النساء العفيفات الطاهرات، سواء كن متزوجات أم غير متزوجات. وفي هذا الوجوه وعيد شديد لكل من يتجرأ على خدش حياء المؤمنات أو النيل من أعراضهن بالباطل، فالعفة في الإسلام حصن مقدس، والاعتداء عليه كبيرة من الكبائر.

الوجه الثالث: المحصنات بمعنى الحرائر

في هذا الوجه، نجد القرآن يفرق بين الحرائر والإماء في سياق العقوبات والحدود، رحمةً من الله بعباده. يقول الله تعالى: {فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}. المراد بالمحصنات هنا هن النساء الحرائر. فبما أن الأمة (المملوكة) قد لا تتمتع بنفس مستوى الحماية والتربية التي تتمتع بها الحرة، خفف الله عنها العقوبة لتكون نصف عقوبة الحرة. وهذا يظهر عدل الله ورحمته التي سبقت غضبه، وكيف أن اللفظ الواحد يتغير معناه ليرسم حدودًا فقهية دقيقة.

تجليات النظائر في القرآن الكريم: لفظ “النور” نموذجاً

أما إذا انتقلنا إلى عالم النظائر، فإننا نجد الاتساق العجيب الذي يربط آيات الكتاب ببعضها. ولنتأمل لفظ “النور” حين يرد في القرآن الكريم في عدة مواضع.

لقد ورد لفظ “النور” في مواضع كثيرة جدًا، وفي أغلبها جاء بمعنى واحد ومقصد واحد، وهو الإيمان والهدى. إن النور في القرآن هو ضياء اليقين الذي يقذفه الله في قلب عبده المؤمن، فيخرجه به من ظلمات الشك والشرك إلى ضياء التوحيد.

عندما تقرأ قوله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}، وقوله سبحانه: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه}، تجد أن النور هنا هو هداية الله. إنها الحقيقة الواحدة التي تتكرر في القرآن لتؤكد أن طريق الحق واحد، وأن مصدر الضياء الحقيقي في هذا الكون هو الوحي الإلهي. فالنظائر هنا تعمل كخيوط من ذهب تربط بين سور القرآن، لتؤكد وحدة المصدر ووحدة الهدف.

أهمية علم الوجوه والنظائر في فهم الدين

لماذا اهتم علماؤنا رحمهم الله بهذا العلم؟ ولماذا يجب علينا اليوم أن نعيد إحياءه في قلوبنا وعقولنا؟

1. صيانة التفسير من الخطأ: إن الجهل بهذا العلم قد يؤدي إلى خلط شنيع في المعاني. فمن لا يفرق بين معاني “المحصنات” قد يطبق حكماً فقهياً في غير موضعه، ومن لا يدرك وجوه الألفاظ قد يسيء فهم مراد الله.
2. إظهار إعجاز القرآن: إن قدرة الكلمة الواحدة على حمل معانٍ متعددة بدقة متناهية دون أدنى تضارب هو دليل قاطع على أن هذا القرآن من عند الله.
3. إثراء الملكة اللغوية والروحية: حين يدرك المؤمن أن لكل كلمة في القرآن وزناً ومعنىً خاصاً، يزداد تدبره للآيات، ويصبح وقوفه عند الكلمة وقوف المتأمل الباحث عن الكنوز، لا وقوف القارئ العابر.

رحلة مع المصنفات: كنوز من التراث الإسلامي

لقد سطر علماء الأمة مؤلفات عظيمة في هذا الفن، كانت ولا تزال منارات للمهتدين. ومن أبرز تلك المصنفات:

  • “نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر” للإمام ابن الجوزي: وهو كتاب ماتع، جمع فيه الإمام الألفاظ القرآنية وبين وجوهها بأسلوب أدبي رفيع وتحقيق علمي دقيق.
  • الإمام الزركشي في كتابه “البرهان في علوم القرآن”: حيث أفرد لهذا النوع فصلاً خاصاً، وبين فيه القواعد التي تضبط هذا العلم.
  • الإمام السيوطي في كتابه “الإتقان في علوم القرآن”: وهو الموسوعة الشاملة التي لا يستغني عنها طالب علم، حيث ذكر الوجوه والنظائر كنوع من أنواع علوم القرآن الهامة في أواخر كتابه، مستقصياً آراء من سبقه.

وهناك غيرهم الكثير ممن أفنوا أعمارهم في خدمة كتاب الله، إدراكاً منهم أن فهم القرآن هو مفتاح السعادة في الدارين.

خاتمة: دعوة للتدبر

أيها القارئ الكريم، إن علم الوجوه والنظائر ليس مجرد ترف فكري أو مباحث لغوية جافة، بل هو دعوة مفتوحة لتعميق صلتنا بالقرآن الكريم. إننا حين نعلم أن الله تعالى يخاطبنا بألفاظ دقيقة، تارة تحمل معنى الرحمة، وتارة تحمل معنى العفة، وتارة تشير إلى الهداية، فإننا ندرك مدى القرب الإلهي منا.

فلنجعل من قراءتنا للقرآن رحلة استكشافية، نبحث فيها عن وجوه المعاني، ونستلهم منها نور النظائر. ولنتذكر دائماً أن هذا العلم هو مفتاح من مفاتيح التدبر الذي أمرنا الله به حين قال: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}.

اللهم افتح لنا أقفال قلوبنا، وعلمنا من كتابك ما ينفعنا، وزدنا علماً بوجوه آياتك ونظائر حكمتك، واجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *