عندما تتنفس القشرة الأرضية: كيف تُحرك الأمطار الغزيرة تضاريس إثيوبيا؟

عندما تتنفس القشرة الأرضية: كيف تُحرك الأمطار الغزيرة تضاريس إثيوبيا؟

لطالما ساد الاعتقاد بأن القشرة الأرضية التي نقف عليها هي كتلة صخرية صلبة لا تتزحزح، إلا أن الاكتشافات العلمية الحديثة في إثيوبيا بدأت ترسم صورة مغايرة تماماً. فالأرض ليست مجرد جماد ساكن، بل هي كيان مرن "يتنفس" صعوداً وهبوطاً، متأثراً بالأحمال المتغيرة التي تضغط على سطحه، تماماً كما يتأثر الإسفنج بالوزن.

في هذا المقال، نسلط الضوء على ظاهرة "التحميل المرن" وكيف نجح العلماء في رصد حركة الأرض الناتجة عن مياه الأمطار في واحدة من أكثر مناطق العالم تعقيداً من الناحية الجيولوجية.

لغز الأرض المرنة: ظاهرة التحميل لكتلة السطح

تُعرف هذه العملية علمياً باسم "التحميل المرن لكتلة السطح" (Elastic Surface Loading). وتعتمد فكرتها على أن الغلاف الصخري للأرض يتصرف كصفيحة مرنة تستند إلى طبقة "وشاح" لزجة.

عندما تتراكم كميات ضخمة من المياه (سواء كانت أمطاراً، ثلوجاً، أو مياهاً جوفية) فوق منطقة معينة، يزداد الثقل المسلط على القشرة، مما يؤدي إلى انضغاطها وهبوطها لأسفل. وبمجرد أن تتبخر هذه المياه أو تجري بعيداً، تخف الحمولة، فترتد القشرة الأرضية إلى أعلى مستعيدة وضعها الأصلي.

تشبيه "المرتبة الإسفنجية"

لتبسيط المشهد، يوضح الدكتور عبديسا كاو كوجي، الأستاذ بجامعة "مادا والابو" الإثيوبية، أن القشرة الأرضية تشبه "المرتبة الإسفنجية".

  • في موسم الأمطار: يمتلئ "الإسفنج" بالماء، ويجلس عليه "شخص" (وهو وزن المياه)، فتهبط القشرة.
  • بعد الموسم: ينهض "الشخص" وتجف المياه، فترتفع القشرة من جديد فيما يعرف بـ "الارتفاع المرن".

التحدي الإثيوبي: فصل المياه عن الزلازل

رُصدت هذه الظاهرة سابقاً في حوض الأمازون ومناطق الجليد في كندا، لكن رصدها في إثيوبيا كان بمثابة "تحدٍ علمي هائل". والسبب يعود لكون إثيوبيا تقع فوق الأخدود الأفريقي العظيم، وهي منطقة نشطة تكتونياً تعج بالزلازل والبراكين والصدوع.

كانت المهمة الصعبة تكمن في: كيف يمكننا التأكد من أن هبوط الأرض ناتج عن وزن المطر وليس بسبب نشاط تكتوني أو زلزالي؟

هذا ما نجح فيه الفريق البحثي بقيادة الدكتور كوجي، ونُشرت نتائجه في دورية "Journal of African Earth Sciences".

كيف تم رصد هذه الحركة المليمترية؟

اعتمدت الدراسة على دمج تقنيتين متطورتين لتقديم دليل قاطع على أن الأمطار هي المحرك الأساسي لهذه الإزاحة:

  1. نظام تحديد المواقع العالمي (GPS): استخدم الباحثون محطات ثابتة تقيس حركة الأرض الرأسية بدقة متناهية وبشكل فوري، مما سمح برصد الهبوط لحظة سقوط الأمطار وزيادة الوزن.
  2. أقمار "جريس" (GRACE): وهو مشروع فضائي مشترك بين أمريكا وألمانيا، لا يقيس الحركة بل يقيس "تغيرات الجاذبية". فعندما تزداد كتلة المياه في منطقة ما، تزداد جاذبيتها، وهو ما ترصده الأقمار الصناعية خاصة في شهري أكتوبر ونوفمبر بعد اكتمال تخزين المياه الجوفية.

مواسم "كيريمت" و"بلغ": متى تتحرك أرض إثيوبيا؟

تحدث هذه التغيرات بوضوح خلال موسمين مطريين رئيسيين في إثيوبيا:

  • موسم كيريمت (يونيو – سبتمبر): يمثل الذروة المطرية.
  • موسم بلغ (فبراير – مايو): موسم الأمطار القصيرة.

خلال هذه الفترات، تمتلئ البحيرات والخزانات، وتزداد رطوبة التربة، مما يخلق حملاً هائلاً يؤدي إلى إزاحة رأسية هابطة تقدر بـ بضعة مليمترات.

سد النهضة والنشاط البشري: كيف يفرق العلماء بينهما؟

مع وجود مشاريع كبرى مثل سد النهضة الإثيوبي، يبرز تساؤل مهم: هل حركة الأرض ناتجة عن الطبيعة أم عن فعل الإنسان؟
أوضح الدكتور كوجي أن العلماء يستخدمون استراتيجيات دقيقة للفصل بينهما:

  • الخط الأساسي (Baseline): دراسة سلوك القشرة في السنوات التي سبقت بناء السدود لتحديد "النمط الطبيعي".
  • النماذج الهيدرولوجية: استخدام محاكاة حاسوبية تتوقع حركة الأرض بناءً على المناخ فقط؛ فإذا حدث هبوط أكبر مما تتوقعه النماذج، فهذا يشير لتدخل بشري.
  • البصمة المكانية: الأمطار تسبب تشوهاً واسع النطاق (

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *