في ظل مشهد أمني متوتر، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي شن سلسلة من الغارات الجوية المكثفة على مناطق متفرقة في جنوب لبنان، وهي خطوة يراها الخبراء العسكريون أبعد من كونها مجرد "عمليات أمنية"، بل هي استراتيجية تهدف إلى إبقاء الدولة اللبنانية تحت ضغط دائم وزعزعة استقرارها الداخلي.
تحليل المشهد العسكري: غارات بلا أهداف حقيقية
وفقاً للقراءة التحليلية التي قدمها الخبير العسكري والإستراتيجي حسن جوني، فإن الغارات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت ستة مواقع حيوية، من بينها منطقة "المحمويّة" ومحيط بلدة "جباع"، تفتقر إلى القيمة العسكرية الفعلية. ويرتكز هذا التحليل على عدة معطيات ميدانية:
- الاستهداف المتكرر: المناطق المستهدفة تعرضت سابقاً لآلاف الغارات، مما يجعل فرضية وجود بنى تحتية نشطة لحزب الله فيها أمراً مستبعداً.
- الرقابة اللصيقة: تخضع هذه المناطق لمراقبة إسرائيلية مكثفة عبر الطائرات المسيّرة على مدار الساعة، مما يحد من أي تحركات عسكرية مفترضة.
- سيطرة الجيش اللبناني: تتماشى هذه الغارات مع جهود الجيش اللبناني لبسط سلطة الدولة، مما يجعل الذرائع الإسرائيلية مجرد غطاء لأهداف أخرى.
الأبعاد النفسية والسياسية للتصعيد الإسرائيلي
يرى الخبير جوني أن الاحتلال الإسرائيلي يتبنى خطة ممنهجة تهدف إلى تحقيق مكاسب غير عسكرية من خلال "ترهيب" المدنيين، وتتلخص هذه الأهداف في:
- الحرب النفسية: تعمد الطائرات الإسرائيلية إحداث أصوات انفجارات مرعبة تهدف إلى تحطيم الروح المعنوية للسكان المحليين.
- خلق فجوة اجتماعية: يسعى الاحتلال من خلال استهداف القرى المأهولة إلى إيجاد مسافة نفسية ونفور بين الحاضنة الشعبية وبين قوى المقاومة.
- الضغط على الحكومة: محاولة إحراج الدولة اللبنانية وإظهارها بمظهر العاجز عن حماية مواطنيها، لإجبارها على تقديم تنازلات سياسية إضافية.
خطة الجيش اللبناني وسيادة الدولة
في المقابل، أعلن الجيش اللبناني عن تقدم ملحوظ في خطته الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة. وتعتمد هذه الخطة على استراتيجية واضحة تم عرضها على مجلس الوزراء:
- جنوب نهر الليطاني: فرض احتكار كامل للسلاح بيد القوى الشرعية اللبنانية، وقد أعلن الجيش بالفعل انتهاء المرحلة الأولى من بسط السيطرة هناك.
- شمال نهر الليطاني: العمل على "احتواء" السلاح ضمن رؤية وطنية شاملة تضمن سلطة الدولة.
ورغم هذه الخطوات، يصر الاحتلال الإسرائيلي على ادعاء وجود تهديدات مستمرة شمال الليطاني، كذريعة لاستمرار عدوانه وخرق التفاهمات الدولية.
خرق اتفاق وقف إطلاق النار
تأتي هذه التطورات الميدانية لتمثل خرقاً صارخاً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر 2024. فبينما يلتزم الجانب اللبناني بتنفيذ بنود الاتفاق وتعزيز دور الجيش في الجنوب، يواصل الاحتلال اتباع سياسة "الأرض المحروقة" والرسائل الميدانية العنيفة، مما يضع الاتفاق الهش أمام اختبار حقيقي ويهدد بعودة التصعيد الشامل في المنطقة.
خاتمة:
يبقى الهدف الإسرائيلي الواضح من هذه الغارات هو إبقاء لبنان في حالة "اشتباك دائم" ومنع استعادة الاستقرار الطبيعي، مستخدماً في ذلك مزيجاً من القوة العسكرية المفرطة والضغط النفسي والسياسي الممنهج.


اترك تعليقاً