في ظل الانهيار المتسارع لمؤسسات الدولة السودانية وتراجع الاستجابة الدولية أمام حجم الكارثة، برزت "غرف طوارئ السودان" كظاهرة إنسانية فريدة، نجحت في سد فراغ قاتل هدد حياة الملايين. هذه المبادرات التي انطلقت من رحم الأحياء والقرى، تحولت بمرور الوقت إلى شبكة أمان اجتماعي وإنساني هي الأوسع انتشاراً والأكثر تأثيراً في الميدان منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023.
فلسفة التضامن: الحياد في خدمة الإنسان
تأسست غرف الطوارئ على عقيدة إنسانية راسخة تتجاوز الاستقطاب السياسي الحاد. ويوضح "السنوسي آدم"، منسق الاتصال الخارجي للغرف، أن هذا الكيان يقوم على مبدأ "التضامن والتضافر المجتمعي". فالهدف ليس توحيد الآراء السياسية، بل توحيد الجهود لمواجهة الفاجعة الإنسانية والحفاظ على ما تبقى من النسيج الاجتماعي السوداني.
هذا الحياد الأخلاقي مكن المتطوعين من تجاوز الانقسامات، وتقديم خدمات حيوية غابت تماماً نتيجة الصراع المستمر، مما جعل من هذه الغرف وسيلة البقاء الوحيدة لكثير من الأسر العالقة في مناطق التماس.
هيكلية فريدة: من الحي إلى مجلس التنسيق العام
ما يميز غرف طوارئ السودان هو تنظيمها اللامركزي الدقيق الذي يبدأ من القاعدة إلى القمة، ويشمل:
- الوحدات القاعدية: تبدأ من مستوى الحي أو القرية لضمان القرب من المحتاجين.
- المستويات الإدارية: تتدرج لتشمل المحليات ثم الولايات، وصولاً إلى مجلس تنسيق عام.
- التخصص المهني: يضم الهيكل متطوعين متخصصين في مجالات الطب، الهندسة، الإدارة، والمالية.
- الرقابة الميدانية: تشرف مجالس تشريعية محلية على شفافية العمل وجودة التنفيذ.
هذا التنظيم المرن أتاح للغرف سرعة الاستجابة للمتغيرات الميدانية، خاصة في المناطق الساخنة التي تعجز المنظمات الكبرى عن دخولها.
إنجازات ملموسة في قلب الكارثة
رغم أن الحرب أودت بحياة نحو 150 ألف شخص وشرّدت أكثر من 11.5 مليون نازح (نصفهم من الأطفال)، إلا أن غرف الطوارئ استطاعت تحقيق أرقام استثنائية:
- الوصول الإنساني: تمكنت الغرف من تقديم المساعدة لنحو 8 ملايين مستفيد خلال عام واحد فقط.
- الدعم الصحي: توفير الأدوية والوقود والمحاليل للمستشفيات الصامدة، مثل مستشفى "النو" في أم درمان، ودعم الكوادر الطبية المتطوعة.
- الأمن الغذائي: تشغيل مئات "التكايا" والمطابخ المجتمعية التي توفر وجبات يومية لآلاف الأسر النازحة.
- الإجلاء والطوارئ: تنظيم عمليات إسعاف وإجلاء للمدنيين من مناطق الاشتباكات المباشرة.
التمويل والشراكات الدولية
بدأت الغرف بالاعتماد الكلي على تبرعات السودانيين في الداخل والمغتربين، لكن مع اتساع رقعة الاحتياج، تطورت قنوات التمويل لتشمل:
- الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID).
- صندوق السودان الإنساني.
- شراكات ثنائية مع منظمات دولية تمنح الولايات مرونة أكبر في التصرف.
ومع ذلك، يرى الخبراء، ومنهم "مروان طاهر" من منظمة أطباء بلا حدود، أن هناك قصوراً دولياً في التنسيق، مشدداً على أن دور المنظمات العالمية يجب أن يتركز على دعم "المستجيبين المحليين" بالمال والإمداد، بدلاً من محاولة استبدالهم.
العمل تحت النيران: ضريبة الحياد
لم يكن هذا العمل الإنساني مفروشاً بالورود؛ إذ يواجه المتطوعون مخاطر وجودية يومياً، تشمل:
- الاستهداف المباشر: القصف الجوي والمدفعي لمواقع العمل.
- الملاحقات الأمنية: تعرض المتطوعين للاعتقال والمضايقات من أطراف النزاع.
- انهيار القطاع الصحي: توثيق أكثر من 198 هجوماً على مرافق صحية، مما جعل تقديم الخدمة الطبية مغامرة محفوفة بالموت.
رؤية للمستقبل: من الإغاثة إلى التعافي
لا تنظر غرف طوارئ السودان إلى دورها كحل مؤقت فحسب، بل يرى القائمون عليها أنها أرست "حجر الأساس" لعمل إنساني قاعدي مستدام. فالتجربة


اترك تعليقاً