#
غزة: حصار التجويع.. سياسة إسرائيلية ممنهجة تدفع القطاع نحو المجاعة
عقود من الحصار والقيود، وتصاعد العنف، وتدمير ممنهج للبنية التحتية، كلها عوامل تضافرت لتجعل قطاع غزة على شفا كارثة إنسانية غير مسبوقة. فما هي جذور أزمة الغذاء المتفاقمة في غزة؟ وكيف تحولت سياسة التجويع إلى سلاح يُستخدم ضد أكثر من مليوني فلسطيني؟
جذور الأزمة: التجويع كسلاح سياسي
منذ أوائل التسعينيات، تبنت إسرائيل سياسة ممنهجة للضغط على الفلسطينيين في قطاع غزة، مستخدمة التجويع كأداة رئيسية. تجسدت هذه السياسة في عدة مراحل:
- نظام التصاريح (1991): فرض نظام تصاريح العمل، مهددًا مصدر رزق 40% من سكان غزة الذين كانوا يعتمدون على العمل داخل إسرائيل. "حق العمل" تحول إلى ورقة مساومة سياسية.
- القيود المتزايدة: مع تصاعد الانتفاضات، فرضت إسرائيل قيودًا متزايدة على الحركة والإمدادات، مما أدى إلى ارتفاع البطالة وانعدام الأمن الغذائي.
- حصار 2007: بعد فوز حماس في انتخابات 2006، فرض حصار شامل على غزة في 2007، مما أدخل القطاع في أزمة غذائية مزمنة.
"الحمية القسرية": سياسة التجويع التدريجي
كشف دوف فايسغلاس، مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، أن إسرائيل اتبعت سياسة "الحمية القسرية" عبر إدخال كميات محدودة من الغذاء بهدف إحداث معاناة دون الوصول إلى حد المجاعة الكاملة. هذه السياسة أدت إلى:
- ارتفاع معدلات الفقر: بحلول عام 2010، بلغت معدلات الفقر 79%، ووصل "الفقر المدقع" إلى 66%.
- القلق بشأن توفر الغذاء: في عام 2020، كشفت الأمم المتحدة أن أكثر من 75% من الأسر تعاني من القلق بشأن توفر الغذاء.
- الاستدانة وتقليص النفقات: اضطر أكثر من نصف السكان إلى الاستدانة أو تقليص النفقات الأساسية للحصول على الطعام.
حرب 2023: تدمير ممنهج للبنية التحتية الغذائية
مع اندلاع حرب 2023، تصاعدت الكارثة بشكل غير مسبوق. دمرت إسرائيل البنية التحتية الزراعية بالكامل، وشلت أنشطة الإنتاج الحيواني والصيد، في ظل حصار خانق منع دخول الغذاء والدواء.
- منع المساعدات: منذ الأيام الأولى، منع الاحتلال دخول المساعدات، مما أدى إلى تصاعد أزمة الغذاء.
- تصنيف منظمة الصحة العالمية: صنفت منظمة الصحة العالمية نصف سكان غزة في حالة انعدام أمن غذائي "طارئة"، وربعهم في حالة "كارثية".
- سوء التغذية الحاد: في فبراير 2024، أعلنت "اليونيسف" أن واحدًا من كل 6 أطفال دون سن الثانية يعاني من سوء التغذية الحاد، بينهم 3% في حالة "هزال شديد" مهددة للحياة.
تدمير القطاع الزراعي: ضربة قاصمة للأمن الغذائي
اعتمد الاحتلال سياسة تدمير ممنهجة استهدفت البنية التحتية الزراعية، مما وجّه ضربة قاسية للأمن الغذائي لأكثر من مليوني فلسطيني.
- تجريف الأراضي: جُرفت أكثر من 90% من الأراضي الزراعية، وحوّلت مساحات واسعة إلى مناطق عازلة.
- خسائر فادحة: دمرت إسرائيل نحو 167 ألف دونم من الأراضي المزروعة، مما أسفر عن خسارة نحو 459 ألف طن من الإنتاج النباتي بقيمة تتجاوز 325 مليون دولار.
- تدمير الإنتاج الحيواني: أخرج الجيش الإسرائيلي قطاع الإنتاج الحيواني بالكامل من الخدمة بعد تدمير 2500 مزرعة دجاج ونفوق أكثر من 36 مليون دجاجة و850 ألف دجاجة منتجة للبيض.
- تدمير البنية التحتية: تدمير 33% من البيوت البلاستيكية و46% من الآبار، إلى جانب تدمير ميناء غزة وقوارب الصيد.
"موجة موت صامت": المجاعة تفتك بالأطفال وكبار السن
مع إعادة إغلاق المعابر وتصاعد العدوان، يعيش سكان غزة تحت وطأة أزمة إنسانية خانقة، مع تفاقم المجاعة وحرمان أكثر من مليوني إنسان من الغذاء والدواء والمساعدات الأساسية.
- ارتفاع وفيات الجوع: ارتفع عدد وفيات الجوع إلى أكثر من 57 شخصًا منذ أكتوبر 2023، أغلبيتهم من الأطفال وكبار السن والمرضى.
- تحذيرات من "موجة موت صامت": وصفت منظمة الأورومتوسطي لحقوق الإنسان الوضع بأنه "موجة موت صامت" تتسارع يوما بعد يوم.
- انهيار القطاع الصحي: أكدت الأمم المتحدة أن أكثر من 9 آلاف طفل تم إدخالهم إلى المستشفيات للعلاج من سوء التغذية الحاد منذ بداية عام 2025، في وقت يعاني فيه القطاع الصحي من انهيار شبه كامل.
نداء عاجل للمجتمع الدولي
إن الوضع في غزة يتطلب تدخلًا دوليًا عاجلًا لوقف هذه الكارثة الإنسانية. يجب على المجتمع الدولي الضغط على إسرائيل لرفع الحصار والسماح بدخول المساعدات الإنسانية بشكل كامل وفوري. كما يجب محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني. إنقاذ غزة من المجاعة هو مسؤولية إنسانية وأخلاقية لا يمكن التغاضي عنها.


اترك تعليقاً