في قطاع غزة المحاصر، تتجاوز آثار الحرب المدمرة القتل والدمار المادي، لتطال أغلى ما يملكه الإنسان: نعمة البصر. هذه ليست مجرد أرقام وإحصائيات، بل هي قصص حقيقية لأطفال وشباب وكبار سن، تحولت حياتهم إلى ظلام دامس بسبب قنابل ورصاص الاحتلال، ونقص الإمكانيات الطبية.
قصة محمد: حلم الطفولة يتحول إلى كابوس أبدي
في زقاق ضيق في جباليا، شمال قطاع غزة، كان محمد حجازي، ذو السبعة أعوام، يستعيد طعم الحياة بعد عودته من النزوح. لكن فرحته لم تدم طويلاً، فقد حولت قنبلة إسرائيلية مزروعة بين الأنقاض حياته إلى ظلام. انفجرت القنبلة في وجهه الصغير، لتطفئ النور في عينيه إلى الأبد.
يصف الأب اللحظات المروعة: "علمت فورًا أن عينيه أصيبتا، وقعت على الأرض، وفقدت الشعور بكل شيء". التشخيص الطبي كان قاسياً: "العين اليمنى يجب استئصالها فورًا، أما اليسرى فهناك أمل ضئيل بشرط التدخل الجراحي العاجل".
لكن الجراحات المعقدة غير متوفرة في غزة المحاصرة، والوقت يمر سريعًا. يحتاج محمد إلى السفر للعلاج، لكن الأمل يتلاشى مع كل لحظة.
راوية وادي: رصاصة طائشة تسرق نور عين
في حي الشجاعية، بينما كانت راوية وادي تستعد للنوم في خيمتها، اخترقت رصاصة طائرة مسيرة قماش الخيمة واستقرت في عينها اليسرى. لم يمنحها الاحتلال فرصة للتشافي، فبعد يومين فقط من مغادرة المستشفى، أجبرتها القذائف على النزوح مرة أخرى.
تقول راوية: "أنا متوترة طيلة الوقت، لا أستوعب ما أنا فيه، أشعر أنني مرهقة دائما، حياتي انقلبت رأسا على عقب، ولا أرى فيها سوى الظلمة".
انهيار النظام الصحي: حرب إضافية ضد العمى
لا يقتصر فقدان البصر في غزة على الإصابات المباشرة، بل يمتد ليشمل غياب القدرة على العلاج. فمنذ بداية العدوان، استهدف الاحتلال مستشفى العيون في غزة، المركز الأهم لعلاج إصابات البصر في القطاع، ودمر الأجهزة الدقيقة فيه.
يقول الدكتور عبد السلام صباح، المدير العام لمستشفى العيون: "قمنا بإعادة افتتاح المستشفى جزئيا بأدنى حد ممكن من الإمكانات، لكن لم نكن نتوقع هذا الطوفان من الحالات".
- أكثر من 1500 فلسطيني فقدوا أبصارهم منذ بداية الحرب.
- أكثر من 4 آلاف مريض آخرين مهددون بفقدان بصرهم خلال الأشهر القادمة.
- أكثر من 1200 مريض ينتظرون التدخل الجراحي.
- المشافي لا تمتلك مواد كافية إلا لإجراء 200 عملية جراحية فقط.
تدمير متعمد: تحييد حياة الآلاف
تجولت الجزيرة نت في أروقة مستشفى العيون، وشاهدت الدمار المتعمد للأجهزة الطبية. يقول تامر المدني، مدير المخازن في المستشفى: "هذا إتلاف مقصود، عن سبق إصرار وترصّد، ليس الهدف منه التخريب فقط، بل تحييد حياة الآلاف من الغزيين ليعيشوا في ظلام دامس دون أن نتمكن من إنقاذهم".
صرخة استغاثة
قصص محمد وراوية ما هي إلا مثال على مأساة إنسانية تتكشف في غزة. إنها دعوة عاجلة للمجتمع الدولي للتحرك الفوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتوفير العلاج اللازم للمصابين، وحماية النظام الصحي المنهار. فغزة تستحق أن ترى النور، وأهلها يستحقون الحياة.


اترك تعليقاً