مقدمة: صمت الأغلبية في مفترق طرق سوريا
بينما تتجه الأنظار نحو المفاوضات الجارية بين "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والحكومة السورية في دمشق، يبرز سؤال جوهري: أين صوت المكون العربي، الذي يشكل الغالبية السكانية في مناطق سيطرة "قسد"؟ هذا الغياب ليس وليد اللحظة، بل يعكس تاريخًا من التهميش السياسي والإداري الممنهج، يثير تساؤلات مقلقة حول مستقبل هذه المناطق ومصير سكانها. هل يمثل هذا الصمت قمعًا ممنهجًا، أم انزواءً ناتجًا عن تعقيدات المشهد السياسي والعسكري؟ وهل تحمل التطورات الأخيرة بارقة أمل لتغيير هذا الواقع المرير؟
المفاوضات الجارية: تفاؤل حذر وغياب ملحوظ
بعد مرور أشهر على اتفاق العاشر من مارس/آذار بين الرئيس السوري وقائد "قسد"، مظلوم عبدي، تسود أجواء من الهدوء الحذر المفاوضات بين الطرفين. تم التوصل إلى تفاهمات أولية حول ملفات حيوية مثل التعليم وعودة المهجرين، لكن هذا التفاؤل الظاهري يخفي وراءه واقعًا أكثر تعقيدًا.
- شكوك حول النوايا: يرى مراقبون أن "قسد" قد تستخدم المفاوضات لكسب الوقت وإعادة ترتيب أوراقها، في ظل ورود تقارير عن وصول كوادر من "حزب العمال الكردستاني" وعناصر أمنية سابقة إلى المنطقة.
- خلافات جوهرية: تصر دمشق على "وحدة المؤسسات" وترفض أي صيغة فدرالية، بينما يتمسك عبدي بـ"ضمانات دستورية" قبل الدمج الكامل، مما يجعل الاتفاق الحالي هشًا وغير قادر على تحقيق حل دائم.
أسباب الغياب العربي: قمع أم تهميش؟
في خضم هذه التحولات، يبدو المكون العربي غائبًا عن المشهد، رغم أنه يشكل الغالبية الديمغرافية والعسكرية في مناطق سيطرة "قسد". لماذا هذا الصمت؟
- الخوف والقمع: يرجع باحثون هذا الغياب إلى "الوحشية" التي تتعامل بها "قسد" مع المدنيين، خاصة مع من يعارض سياساتها. تشمل هذه الممارسات جرائم وانتهاكات في السجون، وعمليات اغتيال وتعذيب، وشبكات تجسس واسعة النطاق، مما يخلق بيئة من الخوف تمنع أي عمل منظم.
- تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية: تتهم "قسد" باتباع نهج للهيمنة على المكون العربي وتفكيك بنيته الاجتماعية والسياسية، عبر مزيج من القمع العسكري، والسيطرة على الموارد، واختراق البنى القبلية، مما يؤدي إلى تغييب أي تمثيل حقيقي للعرب.
- استغلال المال والتحييد: تتهم "قسد" باستغلال المال لإغراء بعض شيوخ القبائل وتقديم الدعم لهم، بينما تعمل على تحييد الآخرين، مما يتسبب بشرخ اجتماعي كبير داخل المجتمع العربي.
انتفاضة دير الزور: صرخة في وجه التهميش
شهد ريف دير الزور الشرقي انتفاضة عشائرية في عام 2023، طالبت بإنهاء التهميش ورفع القبضة الأمنية، لكنها قوبلت بعنف من قبل "قسد"، مما أسفر عن قتلى وجرحى واعتقالات واسعة النطاق. هذه الانتفاضة تعكس حالة الغضب المتراكمة لدى المكون العربي، وتؤكد الحاجة إلى معالجة جذور المشكلة.
تقارير حقوقية: انتهاكات مستمرة
توثق منظمات حقوقية بشكل مستمر انتهاكات "قسد" بحق المدنيين، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية، وتجنيد الأطفال، وتنفيذ مداهمات أمنية أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين. هذه التقارير تلقي الضوء على حجم المعاناة التي يعيشها المكون العربي في مناطق سيطرة "قسد".
بارقة أمل: حراك سياسي متزايد
رغم التحديات الكبيرة، بدأت تظهر بوادر حراك سياسي متزايد في مناطق الجزيرة السورية، يهدف إلى تعزيز حضور المكون العربي والمطالبة بحقوقه.
- تجمعات سياسية جديدة: بدأت تتشكل تجمعات وتيارات سياسية تمثل أبناء الجزيرة والفرات، تعبّر عن رفضها سياسات "قسد" ومشروعها الانفصالي، وتعلن دعمها للدولة السورية الجديدة.
- المطالبة بحقوق المكون العربي: تطالب هذه التجمعات بإنهاء مظاهر التفرد والتهميش، وبسط سلطة الدولة على كامل الجغرافيا السورية، وضمان تمثيل حقيقي للعرب في إدارة مناطقهم.
مستقبل شمال شرق سوريا: نحو شراكة حقيقية أم صراع مستمر؟
يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح هذه الجهود في تغيير الواقع المرير، وتحقيق شراكة حقيقية بين جميع المكونات في شمال شرق سوريا؟ أم أن التهميش والقمع سيستمران، مما يؤدي إلى صراع مستمر يهدد استقرار المنطقة بأكملها؟
الخلاصة: الحاجة إلى حلول شاملة وعادلة
إن معالجة مشكلة غياب الصوت العربي في مناطق سيطرة "قسد" تتطلب حلولًا شاملة وعادلة، تضمن مشاركة حقيقية للمكون العربي في إدارة مناطقهم، وتحقق العدالة والمساواة لجميع المكونات. يتطلب ذلك:
- وقف الانتهاكات: يجب على "قسد" وقف جميع الانتهاكات بحق المدنيين، وإطلاق سراح المعتقلين تعسفيًا، والالتزام بمعايير حقوق الإنسان.
- إطلاق حوار شامل: يجب إطلاق حوار شامل يضم جميع المكونات، بهدف التوصل إلى اتفاق على شكل الحكم والإدارة في مناطق شمال شرق سوريا، بما يضمن حقوق الجميع.
- دعم الحراك السياسي: يجب دعم الحراك السياسي السلمي الذي يطالب بحقوق المكون العربي، وتمكينه من لعب دور فعال في رسم مستقبل المنطقة.
إن مستقبل شمال شرق سوريا يعتمد على قدرة جميع الأطراف على تجاوز الخلافات والعمل معًا من أجل بناء مجتمع عادل ومزدهر، يحترم حقوق جميع المكونات ويضمن مشاركتها في صنع القرار.


اترك تعليقاً