تواجه جمهورية موزمبيق تحدياً اقتصادياً وإنمائياً هائلاً في أعقاب الاضطرابات السياسية التي عصفت بها، حيث كشفت الحكومة رسمياً عن الميزانية الضخمة المطلوبة لترميم ما خلفته احتجاجات ما بعد الانتخابات من دمار واسع طال البنية التحتية والمرافق العامة.
أرقام صادمة: تكلفة إعادة البناء والتعافي
أعلن وزير الإدارة العامة والخدمة المدنية، إينوسينسيو إمبيسا، أن الدولة بحاجة إلى نحو 35 مليار متيكال (ما يعادل 469.3 مليون يورو) لتنفيذ خطة إعادة الإعمار الشاملة. وتتوزع هذه الميزانية على النحو التالي:
- حجم الدمار المباشر: قُدرت الخسائر المادية المباشرة في المنشآت بنحو 27 مليار متيكال (361.9 مليون يورو).
- الاستثمارات الإضافية: يتطلب التعافي الكامل ضخ مبالغ إضافية لضمان عودة الخدمات العامة إلى مستوياتها السابقة وتطوير المناطق المتضررة.
وقد شدد الوزير في تصريحاته على أن "أعمال الشغب هي العدو الأول للتنمية"، مشيراً إلى أن هذه الأحداث المأساوية قد أعادت البلاد عقوداً إلى الوراء، مما يضع الحكومة أمام مسؤولية مضاعفة لتعبئة الموارد وتوفير الحد الأدنى من البنية التحتية اللازمة لاستئناف العمل الإداري والخدمي.
التداعيات الاقتصادية والإنسانية: أزمة فاقت التوقعات
لم تكن الخسائر مادية فحسب، بل امتدت لتشمل نسيج المجتمع الموزمبيقي واقتصاده الوطني. وبحسب تصريحات الرئيس دانييل تشابو، فإن الأزمة التي بدأت في أكتوبر 2024 واستمرت حتى مارس 2025 هي "الأسوأ في تاريخ البلاد"، ونتج عنها:
- خسائر بشرية مؤلمة: سقط أكثر من 400 قتيل خلال المواجهات مع قوات الأمن.
- انهيار في سوق العمل: فقدان أكثر من 50 ألف وظيفة نتيجة الإغلاق الدائم أو المؤقت لعدد كبير من الشركات والمؤسسات.
- تراجع الإيرادات: تأثرت خزينة الدولة بشكل مباشر نتيجة توقف الأنشطة التجارية وتراجع التحصيل الضريبي.
- اعتقالات واسعة: سجلت منصة "دي سايد" اعتقال نحو 7200 شخص على خلفية المشاركة في تلك الاحتجاجات.
جذور الصراع: من صناديق الاقتراع إلى الشارع
اندلعت شرارة الأزمة عقب إعلان نتائج انتخابات أكتوبر 2024، والتي فاز بموجبها دانييل تشابو بمنصب الرئيس الخامس لموزمبيق. قوبلت هذه النتائج برفض قاطع من المرشح الرئاسي السابق فينانسيو موندلان، الذي دعا أنصاره للتظاهر احتجاجاً على ما وصفه بالتزوير، مما أدى إلى موجة من "التخريب المنظم" التي طالت الممتلكات العامة والخاصة.
مسار المصالحة: نحو مستقبل سياسي مستقر
بعد أشهر من التوتر، بدأت ملامح الانفراج تلوح في الأفق في مارس 2025، إثر اللقاء التاريخي الأول بين الرئيس تشابو ومنافسه موندلان. هذا اللقاء وضع حجر الأساس لمسار المصالحة الوطنية الذي تضمن:
- الإصلاحات الهيكلية: التزام الحكومة بإجراء تعديلات دستورية وانتخابية تضمن نزاهة العمليات السياسية المستقبيلة.
- قانون الحوار الوطني: في أبريل 2025، صادق الرئيس على قانون "الالتزام السياسي بالحوار الوطني الشامل"، وهو تشريع أقره البرلمان ليكون إطاراً قانونياً لتجاوز تداعيات الأزمة وضمان عدم تكرارها.
تظل موزمبيق اليوم أمام اختبار حقيقي؛ فبينما تسعى لتوفير التمويل الضخم لإعادة الإعمار، يبقى التحدي الأكبر هو ترميم الثقة السياسية وضمان استدامة الاستقرار لتحقيق التنمية المنشودة.


اترك تعليقاً