مقدمة: لغز في فجر الزمان
لطالما مثّل وجود الثقوب السوداء الهائلة في بدايات الكون لغزاً محيراً لعلماء الفلك؛ فكيف أمكن لهذه الأجرام أن تصل إلى أحجامها العملاقة في غضون فترة زمنية قصيرة جداً من عمر الكون؟ وبينما كان معروفاً لدى العلماء أن هذه الثقوب السوداء الفائقة الكتلة كانت موجودة بشكل غير متوقع في وقت مبكر، إلا أن الآلية التي سمحت لها ببلوغ تلك الأحجام بقيت غامضة. اليوم، يقدم باحثون من جامعة ‘ماينوث’ (MU) في أيرلندا إجابة حاسمة في دراسة حديثة نُشرت في دورية Nature Astronomy، تشير إلى أن الظروف الفوضوية والمتطرفة للكون المبكر هي المحرك الأساسي وراء هذه الظاهرة.
المنهجية العلمية: محاكاة الفوضى الكونية
استند الفريق البحثي في دراسته إلى استخدام عمليات محاكاة حاسوبية هي الأحدث من نوعها، لإعادة بناء سلوك الجيل الأول من الثقوب السوداء التي ولدت بعد بضع مئات الملايين من السنين فقط من ‘الانفجار العظيم’. صرّح ‘داكسال ميهتا’، طالب الدكتوراه في قسم الفيزياء بجامعة ماينوث والباحث الرئيسي في الدراسة، قائلاً: “لقد كشفنا أن الظروف الفوضوية التي سادت في الكون المبكر حفزت الثقوب السوداء الصغيرة على النمو بسرعة مذهلة، لتصل كتلتها إلى عشرات الآلاف من الأضعاف مقارنة بكتلة شمسنا، وذلك عبر عملية نهم كوني التهمت المادة المحيطة بها”.
تساهم هذه النتائج في تفسير الملاحظات المحيرة التي رصدها تلسكوب ‘جيمس ويب’ الفضائي (JWST)، والذي اكتشف ثقوباً سوداء ضخمة موجودة في حقبة زمنية أبكر بكثير مما توقعته النظريات السابقة، مما يضع حلولاً لواحدة من أكبر المعضلات في علم الفلك الحديث.
آلية “نهم” الثقوب السوداء: تراكم فوق حد إدنجتون
تشير عمليات المحاكاة إلى أن المجرات الأولى الغنية بالغاز كانت المحرك الرئيسي لهذا النمو المتسارع. في تلك البيئات الكثيفة، مرت الثقوب السوداء بنوبات نمو قصيرة لكنها مكثفة للغاية عبر عملية تُعرف بـ ‘تراكم سوبر إدنجتون’ (Super Eddington accretion). في الظروف الفيزيائية العادية، يعمل الإشعاع المنبعث من المادة المتساقطة نحو الثقب الأسود على دفع الغاز المحيط بعيداً، مما يضع حداً طبيعياً لسرعة النمو. ومع ذلك، في الكون المبكر، تمكنت هذه الثقوب السوداء من الاستمرار في التغذي وتجاوز هذا الحد، مما سمح لها باكتساب كتلة هائلة بمعدلات استثنائية.
يوفر هذا الاكتشاف الحلقة المفقودة التي تربط بين النجوم الأولى في الكون والثقوب السوداء الفائقة الكتلة التي نراها اليوم في مراكز المجرات الكبرى.
أهمية الاكتشاف: إعادة صياغة أصول الثقوب السوداء
يقسم علماء الفلك بذور الثقوب السوداء المبكرة إلى فئتين: ‘البذور الثقيلة’ و’البذور الخفيفة’. تبدأ البذور الخفيفة بكتل متواضعة نسبياً، بينما يُفترض أن البذور الثقيلة تولد بكتل ضخمة تصل إلى مئة ألف ضعف كتلة الشمس. وكان الاعتقاد السائد هو أن البذور الثقيلة فقط هي القادرة على التحول إلى ثقوب سوداء فائقة في وقت قصير.
لكن الدكتور ‘جون ريغان’ من قسم الفيزياء في جامعة ماينوث وقائد المجموعة البحثية، يرى أن هذه الدراسة تغير المنظور السائد: “لسنا متأكدين الآن من ضرورة وجود البذور الثقيلة فقط؛ فهي كيانات غريبة تتطلب ظروفاً نادرة للتشكل. تظهر محاكاتنا أن الثقوب السوداء ذات الكتلة النجمية ‘الاعتيادية’ يمكن أن تنمو بمعدلات قصوى في ظروف الكون المبكر المضطربة”.
آفاق مستقبلية: نحو رصد الأمواج الثقالية
إلى جانب إعادة تشكيل نظريات تشكل الثقوب السوداء، سيكون لهذه الأبحاث تداعيات كبيرة على المهمات الفضائية القادمة. فمن المتوقع أن تؤثر هذه النتائج على ما يتطلع العلماء لرصده عبر مهمة ‘ليسا’ (LISA)، وهو الهوائي الفضائي لقياس التداخل الليزري المشترك بين وكالة الفضاء الأوروبية وناسا، والمقرر إطلاقه في عام 2035.
يختتم الدكتور ‘ريغان’ حديثه بالتأكيد على أن عمليات الرصد المستقبلية للأمواج الثقالية من هذه المهمة قد تمكننا من رصد اندماج هذه ‘الثقوب السوداء الرضيعة’ سريعة النمو، مما سيوفر دليلاً قاطعاً على صحة هذه السيناريوهات ويعزز فهمنا لكيفية تطور الكون في مراحله الأولى.
المصدر العلمي: ScienceDaily


اترك تعليقاً