# فضائل الصيام في الإسلام: رحلة الروح نحو التقوى والرضوان
الحمد لله وحده، القائل في محكم التنزيل: {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، إمام الصائمين وقدوة العابدين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
إن الصيام ليس مجرد شعيرة نؤديها، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة، تتهذب فيها النفوس، وتشرق فيها الأرواح بنور القرب من الله تعالى. هو العبادة الخفية التي لا يعلم حقيقتها إلا الله، وهو السر المصون بين العبد وخالقه. وفي هذا المقال، نبحر سوياً في رحاب هذه العبادة العظيمة، مستعرضين فضائلها الكبرى، وأسرارها العميقة التي تجعل من الصيام كنزاً لا ينفد من الحسنات والدرجات العلى.
تعريف الصيام: لغةً وشرعاً
قبل الخوض في غمار الفضائل، لابد من تأصيل معنى هذه العبادة الجليلة:
1. الصيام لغةً: هو الإمساك عن الشيء مطلقاً، فكل ممسك عن قول أو فعل فهو صائم في لغة العرب، ومنه قوله تعالى مخبراً عن مريم عليها السلام: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}.
2. الصيام شرعاً: هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وسائر المفطرات، بنية التقرب إلى الله تعالى، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، على الوجه الذي شرعه الله تعالى وسنة نبيه ﷺ، ويشترط فيه أن يكون من مسلم مكلف، مقيم، صحيح، قادر، وسالم من الموانع الشرعية.
فضائل الصيام العامة: كنوز إيمانية لا تنتهي
لقد جعل الله للصيام من الفضائل ما تضيق عن حصرها المجلدات، ولكننا نلخص أهمها في هذه النقاط النيرة:
أولاً: الصيام بوابة التقوى الكبرى
إن الغاية الأسمى من فرض الصيام هي تحقيق التقوى في القلوب. فالصيام يربي في المسلم ملكة المراقبة، ويجعله يترك حلاله (من طعام وشراب) خوفاً من الله، فكيف بحرامه؟ قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]. والتقوى هي زاد المؤمن للنجاة من النار، قال سبحانه: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 72]. وهي مفتاح الميراث في الجنة: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا} [مريم: 63].
ثانياً: الصيام خير محض في الدارين
قد يرى البعض في الصيام مشقة، ولكن الحقيقة القرآنية تؤكد أنه خير مطلق لمن أدرك حقيقته. قال تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184]. هذا الخير يشمل صحة البدن، وطهارة النفس، وزكاة المال، وعظيم الأجر عند لقاء الله.
ثالثاً: الصيام جنة وحصن حصين
الصيام هو الدرع الذي يحتمي به المؤمن من سهام الشيطان وفتن الدنيا ونار الآخرة. قال ﷺ: «الصيام جنة يستجن بها من النار»، وفي رواية أخرى تؤكد هذا المعنى: «الصيام جنة وحصن حصين من النار كجنة أحدكم من القتال». فالصائم في حصن لا تصله نيران الشهوات ولا نيران الجحيم بإذن الله.
رابعاً: الوعد بالمغفرة والأجر العظيم
لقد قرن الله عز وجل الصائمين والصائمات بصفات أهل الإيمان والخشوع، ووعدهم بجائزة لا تقدر بثمن: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35].
خامساً: المباعدة عن النار سبعين خريفاً
ثبت في الصحيحين عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا». وتأمل أخي المؤمن، يوم واحد مخلص لله يباعدك عن النار مسيرة سبعين عاماً! وفي حديث أبي أمامة الباهلي عن النبي ﷺ قال: «من صام يومًا في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض». والمراد بسبيل الله هنا طاعته، ويدخل فيه الصوم في الرباط وسفر الجهاد إذا لم يكن فيه مشقة.
سادساً: العمل الذي لا مثل له
حين سأل الصحابة رسول الله ﷺ عن عمل يدخلهم الجنة، كان الصوم هو الوصية المتكررة. فقد وصى ﷺ جماعة من أصحابه بقوله: «عليك بالصوم فإنه لا مثل له»، وفي لفظ آخر: «لا عدل له». أي لا يوجد عمل يماثله في الفضل والأجر والخصوصية.
سابعاً: شرف الدخول من باب الريان
للصائمين يوم القيامة تكريم خاص، حيث يُنادى عليهم ليدخلوا من باب خُصص لهم وحدهم. ففي الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة بابًا يُقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم؛ فإذا دخل آخرهم أغلق، فلم يدخل منه أحد». يا له من شرف عظيم، أن تُغلق الأبواب بعد دخولك إكراماً لك!
ثامناً: الصوم كفارة للفتن والذنوب
نحن نعيش في عالم مليء بالفتن، في الأهل والمال والولد، والصوم يأتي ليمحو أثر هذه الفتن. قال ﷺ: «فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي» (متفق عليه).
تاسعاً: شفاعة الصيام يوم الزحام
يوم يفر المرء من أخيه، يتقدم الصيام ليشفع لصاحبه. كما في المسند من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة». يقول الصيام: “أي ربِّ منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه”.
عاشراً: حسن الخاتمة بالصوم
من أروع العطايا أن يُختم للعبد وهو في عبادة. لحديث حذيفة رضي الله عنه قال: أسندت رسول الله ﷺ إلى صدري فقال: «من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله ختم له به دخل الجنة».
الحادي عشر: غرف الجنة العالية
الصيام يؤهل صاحبه ليس لمجرد دخول الجنة، بل لسكنى غرفها الشفافة الفاخرة. قال ﷺ: «إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام».
الثاني عشر: استجابة الدعاء
للصائم دعوة مستجابة لا تُرد، فهي لحظات انكسار وافتقار لله. قال ﷺ: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر». وكان ابن عمرو رضي الله عنهما يقول عند فطره: «اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي».
الثالث عشر: الصيام زينة الأعمال
كان النبي ﷺ يحرص على صيام الاثنين والخميس لأن الأعمال تُعرض فيهما على الله، وكان يقول: «فأُحب أن يُعرض عملي، وأنا صائم». فالصيام يزين العمل ويجعله أكثر قبولاً عند الله عز وجل.
الرابع عشر: الخصوصية الإلهية (إلا الصوم فإنه لي)
هذه أعظم فضيلة على الإطلاق، حيث نسب الله الصوم لنفسه في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». وهذا يعني أن أجر الصوم لا يخضع للحسابات المعتادة (الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف)، بل هو أجر مفتوح يليق بكرم الله وجوده.
صوم رمضان: تاج الفضائل وفريضة رب العالمين
إذا كانت هذه فضائل الصوم عامة، فإن صوم شهر رمضان المبارك يأتي على رأسها جميعاً. فهو الركن الرابع من أركان الإسلام، وهو الفريضة التي ما تقرب عبد إلى الله بأحب منها.
في رمضان، تجتمع كل الفضائل السابقة وتتضاعف. هو شهر نزول القرآن، وشهر ليلة القدر، وشهر تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران. إن صوم رمضان هو الاختبار السنوي الذي يجدد الإيمان، ويغسل الذنوب، ويصل العبد بخالقه صلة لا تنقطع. إن التقرب إلى الله بالفريضة (رمضان) أعظم أثراً وأجراً من النوافل، لذا وجب على المؤمن أن يعظّم قدر هذا الشهر ويستثمر كل لحظة فيه.
خاتمة
أيها المسلمون، إن الصيام تجارة رابحة مع الله، ورحلة قدسية تسمو بالروح فوق وحل الماديات. فلنحرص على تجويد صيامنا، وحفظ جوارحنا، وإخلاص نياتنا، لعلنا نكون ممن يُنادى عليهم من باب الريان.
اللهم وفقنا لحسن الصيام، وطول القيام، واغفر لنا الخطايا والآثام، ونجنا من النار، وأدخلنا الجنة بسلام. آمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً