# فضائل العشر الأواخر من رمضان وليلة القدر: اغتنام مواسم الاصطفاء الرباني
الحمد لله الذي جعل في تتابع الأيام مواسم للطاعات، وفي مرور الشهور محطات للتزود بالباقيات الصالحات، والصلاة والسلام على إمام المتقين وسيد العابدين، الذي كان يجتهد في طاعة ربه ما لا يجتهد غيره، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
أولاً: حكمة الله في اصطفاء الأوقات والأمكنة
إن من أعظم الشواهد على ربوبية الله عز وجل وكمال حكمته أنه سبحانه يختص من خلقه ما يشاء بمزيد من الفضل والعناية. يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68]. وهذا الاختيار هو محض الاصطفاء والاجتباء، فالله جل وعلا، بعلمه المحيط وقدرته النافذة، يختار من الأزمان ما يشاء، ومن الأمكنة ما يشاء، ومن الأشخاص ما يشاء.
إن هذا التفضيل الإلهي لبعض الأوقات على بعض هو دعوة من الخالق لعباده ليتعرضوا لنفحاته، وليعلموا أن أزمة الأمور بيده سبحانه، فهو الذي يقضي في خلقه بما يشاء، ويحكم فيهم بما يريد؛ {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الجاثية: 36 – 37].
ثانياً: فضل العشر الأواخر ومكانة ليلة القدر
لقد خص الله عز وجل شهر رمضان المبارك بمزيد من التشريف، فجعله سيد الشهور، ثم اصطفى من هذا الشهر ليليه العشر الأواخر، فجعلها تيجان الزمان وخلاصة الشهر المبارك. وفي قلب هذه العشر، أودع الله ليلة هي أعظم الليالي قدراً، وأرفعها شأناً، وهي ليلة القدر.
لقد فخم الله أمر هذه الليلة وأعلى مكانتها عندما جعلها ظرفاً لنزول كلامه الحكيم، وهديه القويم، فقال سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الدخان: 3 – 6].
ولم يقف الفضل عند هذا الحد، بل أنزل الله سورة كاملة تُتلى إلى يوم القيامة باسم هذه الليلة، فقال عز من قائل: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 1 – 5].
بركات ليلة القدر في سطور:
- خير من ألف شهر: إن ليلة واحدة يوفق فيها العبد للقيام والعمل الصالح خير من عبادة تزيد على ثلاث وثمانين سنة (ألف شهر). وهذا عمر مديد لو قضاه المسلم كله في طاعة الله لكان فضلاً كبيراً، فكيف بمن يدرك ليلة القدر؟
- تنزل الملائكة والروح: في هذه الليلة يزدحم ملكوت الأرض بالملائكة الكرام الذين يتنزلون مع تنزل البركات والرحمات، ويحضرون حِلَق الذكر وتلاوة القرآن.
- السلام والأمان: هي ليلة سلام وخير محض، لا شر فيها، تمتد بركتها وسكينتها من غروب الشمس حتى مطلع الفجر.
- كتابة المقادير السنوية: فيها يُفرق كل أمر حكيم، حيث يُقدر الله فيها ما سيكون في السنة القادمة من الأرزاق والآجال والأعمال، وهذا هو التقدير السنوي الذي لا يتعارض مع التقدير العام المكتوب في اللوح المحفوظ.
- شد المئزر: وهو كناية عن التفرغ التام للعبادة والاعتزال.
- إحياء الليل: بالقيام والقراءة والذكر والتبتل.
- إيقاظ الأهل: ليعم الخير والفضل على أهل البيت جميعاً، ولتربيتهم على تعظيم شعائر الله.
ثالثاً: متى نتحرى ليلة القدر؟
أجمع العلماء على أن ليلة القدر في شهر رمضان، لقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}، وهي في العشر الأواخر منه آكد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان».
وتزداد أرجحية وقوعها في الليالي الوترية (21، 23، 25، 27، 29)، لقوله صلى الله عليه وسلم: «اطلبوها في العشر الأواخر في ثلاث يبقين أو سبع يبقين أو تسع يبقين». وقد ذهب كثير من الصحابة، كابن عباس وأبي بن كعب رضي الله عنهم، إلى أنها ليلة سبع وعشرين، ومع ذلك يبقى الاجتهاد في العشر كلها هو المنهج الأسلم والأكمل.
الحكمة من إخفاء موعدها:
لقد أخفى الله عز وجل موعد هذه الليلة تحديداً لحكم جليلة، منها:
1. استمرار الاجتهاد: لكي يجتهد المسلمون في جميع ليالي العشر بالصلاة والذكر والدعاء، ولا يقتصروا على ليلة واحدة.
2. تمييز المشمرين: ليتبين العبد النشيط الحريص على مرضاة ربه من العبد الخامل الكسلان.
3. كمال الامتحان: لو عُينت الليلة، لاقتصر الناس على قيامها، وضاعت حكمة التعبد في سائر الليالي.
رابعاً: هدي النبي ﷺ في العشر الأواخر
كان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يضرب أروع الأمثلة في اغتنام هذه الأيام. روت السيدة عائشة رضي الله عنها قائلة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر، شد مئزره وأحيى ليله وأيقظ أهله».
وفي رواية أخرى في صحيح مسلم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها».
إن هذا الهدي النبوي يشمل:
خامساً: أفضل الأعمال والدعاء في ليلة القدر
لقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن أعظم ما يُطلب في هذه الليالي هو عفو الله ومغفرته. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: «اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعفُ عنِّي».
لماذا نسأل العفو؟
العفو هو التجاوز عن الذنب ومحوه بالكلية، ومن أعطي العافية في الدنيا والآخرة فقد فاز فوزاً عظيماً. وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس بسؤال العافية قائلاً: «يا عبَّاس، يا عمّ رسول الله، سل الله العافية في الدنيا والآخرة».
الأعمال المستحبة في العشر الأواخر:
1. المحافظة على الفرائض: والحرص على صلاة الجماعة في المسجد.
2. قيام الليل: لقوله ﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه».
3. تلاوة القرآن بتدبر: فهي ليالي نزول القرآن.
4. الصدقة والإحسان: فالفضل في هذه الليالي مضاعف.
5. التوبة النصوح: والندم على ما فات من الخطايا والآثام.
سادساً: التحذير من الحرمان والغفلة
إن المحروم حقاً هو من تمر عليه هذه المواسم العظيمة وهو غافل معرض، ومن يُطرد عن أبواب الرحمة في وقت تُفتح فيه أبواب الجنان. يا عظم حسرة من انصرفت عنه هذه الليالي وهو مشغول بالمعاصي والآثام، مخدوع بالأماني الكاذبة، مضيع لخير أيام الدنيا.
عباد الله، من لم يربح في هذه الليلة المباركة، فمتى يربح؟ ومن لم ينب إلى الله في هذا الوقت الشريف، فمتى ينيب؟ إن القلوب التي لا تلين في رمضان، والنفوس التي لا تخشع في العشر الأواخر، هي نفوس قد ران عليها كسبها.
سابعاً: مسؤولية الأهل والأولاد
من المحزن أن نرى كثيراً من المسلمين يتركون أولادهم يهيمون في الشوارع، أو يقضون ليلهم في اللعب والسفه، بينما المساجد تعج بالطائعين. إن إهمال تربية الأبناء على تعظيم هذه الليالي هو نوع من الحرمان الواضح. يجب علينا حثهم وتشجيعهم ليشاركوا المسلمين في هذه الشعائر، وليتربوا على طاعة الله ومحبته.
خاتمة ودعاء
في ختام هذه الكلمات، نذكر أنفسنا وإياكم بضرورة الإخلاص لله في القول والعمل. اجتهدوا -رحمكم الله- في طلب ليلة القدر، وتحروا بركتها، وأكثروا من الصلاة على نبيكم محمد ﷺ، فقد أمركم الله بذلك فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
اللهم اشملنا بعفوك وأدخلنا في رحمتك، اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا، اللهم أعنا على طاعتك ووفقنا لهداك، وأعمر أوقاتنا بما تحبه وترضاه يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد. وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

اترك تعليقاً