فضل السحور وبركته: دليل الصائم الشامل لنيل الأجر والصحة

مقدمة: السحور.. مائدة الرحمن في جوف الليل

الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم التنزيل: {وَبالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

فإنَّ من أعظم النعم التي مَنَّ الله بها على عباده الصائمين أن شرع لهم من العبادات ما يقويهم عليها، ومن السنن ما يضاعف لهم بها الأجر. ومن هذه السنن العظيمة سنة “السحور”، تلك الوجبة المباركة التي تأتي في وقت يتجلى فيه الرب سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا. لقد حث نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم أمته على السحور، وتناول شيء من المأكولات والمطعومات قبل الشروع في عبادة الصوم؛ وما ذاك إلا تقوية لأبدانهم، وإعانة لهم على أداء عباداتهم على أكمل وجه، مما يؤكد ويدل على عظمة وأهمية وبركة السحور للصائم، سواء كان ذلك في شهر رمضان المبارك، أو في غيره من الأيام والشهور التي يُندب فيها الصيام.

جوهر البركة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم

لقد لخص النبي صلى الله عليه وسلم قيمة هذه الوجبة في كلمات جامعة مانعة، فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تسحَّروا؛ فإن في السَّحور بركةً»؛ (أخرجه البخاري ومسلم).

وعندما نتأمل في قوله عليه الصلاة والسلام: «تسحروا»، نجد أنه فعل أمرٍ يفيد الاستحباب والندب، ومعناه: تناولوا الطعام والشراب في وقت السحر، وهو ذلك الوقت اللطيف الذي يسبق طلوع الفجر الصادق. أما قوله: «فإن في السحور بركةً»، فهو تعليل نبوي يفتح آفاقاً واسعة للفهم؛ فالبركة هنا تعني الزيادة في النماء والخير، والاستقواء على صيام نهار رمضان، وهي تشمل أيضاً الأجر والثواب الجزيل المترتب على اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم. فالسحور بهذا المعنى يجمع بين البركة المادية التي تعين الجسد، والبركة المعنوية التي تزكي الروح.

مفهوم السحور في اللغة والشرع

من المهم للصائم أن يدرك الفوارق اللغوية الدقيقة التي توضح عمق هذا المصطلح، حيث يفرق العلماء بين لفظين:
1. السُّحور (بضم السين): ويُقصد به الفعل نفسه، أي عملية تناول الطعام والشراب في ذلك الوقت.
2. السَّحور (بفتح السين): ويُقصد به المادة التي يُتسحر بها، أي الطعام والشراب الذي يوضع على المائدة في وقت السحر.

حكم السحور واتفاق الأمة عليه

يستحب السحور للصائم استحباباً مؤكداً، ولا فرق في ذلك بين صوم الفريضة (رمضان) أو صوم التطوع. وقد استند العلماء في هذا الحكم إلى حديث أنس بن مالك رضي الله عنه المذكور آنفاً.

ومما يرسخ مشروعية هذه السنة هو الإجماع المنعقد بين علماء الأمة؛ فقد نقل الإجماع على استحباب السحور غير واحد من أهل العلم الأعلام، ومنهم الإمام ابن المنذر، والإمام ابن قدامة، والإمام النووي، وغيرهم. فلم يختلف الفقهاء في أن السحور سنة مستحبة وليس واجباً، لكنه من السنن التي لا ينبغي للمسلم التفريط فيها لما يفوته من خير عظيم.

وقت السحور وهدي النبي في تأخيره

من كمال السنة النبوية ألا يكتفي الصائم بمجرد السحور، بل أن يتحرى الوقت الأفضل له. ويستحب تأخير السحور إلى آخر الليل بحيث يكون قريباً من وقت الفجر؛ فعن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: «أنهم تسحروا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قاموا إلى الصلاة، قلت: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين أو ستين؛ يعني: آيةً»؛ (صحيح البخاري).

هذا الحديث يعطينا مقياساً زمنياً دقيقاً، فالمسافة الزمنية بين الفراغ من السحور وبين الشروع في صلاة الفجر كانت بقدر ما يقرأ الرجل خمسين آية بتؤدة وترتيل. ومما يؤكد هذا المعنى كذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن نبي الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما، قام نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، فصلى، قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آيةً».

وفي هذه الأحاديث إشارة لطيفة إلى حسن عشرة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وتواضعه الجم، حيث كان يشاركهم طعامهم ويجلس معهم على مائدة السحور، مما يضفي على هذه الوجبة جواً من الألفة والمحبة.

نِعم السحور: التمر سيد المائدة

لقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى نوع معين من الطعام يفضل أن يكون حاضراً في سحورنا، لما فيه من نفع عظيم، فقال عليه الصلاة والسلام: «نعم سحور المؤمن التمر»؛ (رواه ابن حبان بإسناد صحيح). فالتمر ليس مجرد غذاء، بل هو منجم من الفوائد الصحية التي تمد الصائم بالطاقة المستدامة طوال يومه.

الحكمة والغاية من السحور: أسرار ومقاصد

إن للسحور حكماً كثيرة ومقاصد جليلة، لا تقتصر فقط على الجانب العضوي، بل تمتد لتشمل جوانب تعبدية وصحية واجتماعية، ومن أبرزها:

1. الاقتداء والاتباع: هو المقصد الأسمى، فالمسلم يتسحر طاعةً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم واقتداءً بسنته القولية والفعلية.
2. مخالفة أهل الكتاب: الإسلام دين التميز بصبغته الربانية، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم السحور فارقاً بين صيامنا وصيام من قبلنا، فقال: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، أكلة السحر»؛ (رواه مسلم).
3. تحصيل البركة الشاملة: فالبركة في السحور مادية من حيث القوة، ومعنوية من حيث الأجر والثواب الذي يناله العبد بمجرد النية والعمل.
4. التقوية البدنية: السحور يمنح الجسد الطاقة اللازمة لمواجهة مشقة الصيام، خاصة في الأيام الحارة أو ساعات الصيام الطويلة.
5. الإعانة على الطاعة: الصائم الذي يتسحر يكون أنشط لأداء صلاة الفجر، وأكثر قدرة على تلاوة القرآن والعمل الصالح خلال النهار دون خمول أو كسل.
6. الفوائد الصحية الوقائية: يؤكد أهل الاختصاص أن للسحور فوائد طبية جمة، منها تنشيط الجهاز الهضمي، والمحافظة على مستويات السكر في الدم، وحماية الجسد من الجفاف والإعياء الناتج عن نقص السوائل.

فضل الله الواسع: السحور ولو بجرعة ماء

من تيسير الله ورحمته بهذه الأمة، أن بركة السحور تحصل وتتحقق بأقل القليل من الطعام والشراب، فلا يشترط لها مائدة حافلة، بل يكفي فيها ولو جرعة من ماء. فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تسحروا، ولو بجرعة ماء»؛ (إسناده حسن).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السحور كله بركة؛ فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعةً من ماء، فإن الله عز وجل وملائكته يصلون على المتسحرين»؛ (صححه الألباني).

وهنا نقف وقفة إجلال أمام هذا الفضل العظيم؛ فما معنى صلاة الله وصلاة ملائكته؟

  • صلاة الله عز وجل على عباده: هي ثناؤه عليهم في الملأ الأعلى ورحمته بهم.
  • صلاة الملائكة على العباد: هي دعاؤهم للمتسحرين بالخير والاستغفار لهم.

فيا له من فضل عظيم! أن يذكرك ملك الملوك ويثني عليك، وتستغفر لك الملائكة الكرام، لمجرد أنك قمت لتناول لقيمات أو جرعة ماء اتباعاً للسنة.

خاتمة

إن السحور ليس مجرد عادة غذائية، بل هو عبادة جليلة ينبغي للمسلم أن يستشعر فيها معاني الطاعة والقرب من الله. هو فرصة لاستجابة الدعاء في وقت السحر، وفرصة لضبط إيقاع اليوم الإيماني.

هذا ما تيسر إيراده في فضل هذه السنة المباركة، نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، ونافعاً لكل من قرأه، ونسأل الله العلي الأعلى من فضله العظيم أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام.

والحمد لله رب العالمين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *