فضل ساعة الإفطار: كنوز مفقودة ولحظات لا تُعوض في رمضان

# فضل ساعة الإفطار: روضة الطاعات ومستودع الرحمات

مع غروب شمس كل يوم من أيام شهر رمضان المبارك، تقترب لحظة هي من أثمن لحظات العمر، وأغلى دقائق الزمان. إنها ساعة الإفطار، تلك اللحظات التي يمتزج فيها انكسار الجوع بعزة الطاعة، وذل الحاجة بحلاوة المناجاة. هي دقائق معدودة، بل ربما ثوانٍ تمر كلمح البصر، لكنها تحمل في طياتها من الأجر والفضل ما لا يعلمه إلا الله.

تعجيل الفطر: علامة الخيرية في الأمة

لقد جعل الشارع الحكيم لهذه اللحظات آداباً وسنناً تعكس كمال هذا الدين ويسره. فعن سهل بن سعد – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر» (متفق عليه).

إن في تعجيل الفطر دلالة واضحة على الخيرية الكامنة في اتباع السنة النبوية، وهي إشارة إلى أن المسلم لا يتنطع في دينه، بل يقف عند حدود الله؛ يصوم حين يُؤمر بالصيام، ويُفطر حين يُؤمر بالفطر. هذه المسارعة ليست مجرد استجابة لنداء الجسد، بل هي استجابة لأمر الله ورسوله، وفيها تكمن البركة والخير للأمة جمعاء.

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال الله – عز وجل -: «أَحبُّ عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا» (رواه الترمذي وقال: حديث حسن). تأمل يا أخي الصائم في هذا المقام العظيم؛ أن تكون محبوباً عند رب العالمين لمجرد امتثالك لسنة تعجيل الإفطار! إنه كرم إلهي يفوق الوصف، حيث تُربط المحبة الإلهية بمدى مسارعة العبد إلى مائدة الرحمن فور انقضاء وقت الصيام.

هدي النبوة في مائدة الإفطار

لم يترك لنا النبي – صلى الله عليه وسلم – شاردة ولا واردة في خيرنا إلا ودلنا عليها، حتى في كيفية البدء بالطعام. فعن سلمان بن عامر الضبي الصحابي – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إذا أفطر أحدكم، فليُفطِر على تمر، فإن لم يجد، فليفطر على ماء؛ فإنه طهور» (رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح).

هذا الهدي النبوي يحمل أبعاداً تربوية وصحية وإيمانية:
1. التمر: يمد الجسم بالطاقة السريعة بعد يوم من التعب، وهو رمز للبركة.
2. الماء: هو الطهور الذي ينقي البدن، ويذكر العبد بنعمة الله التي جعل منها كل شيء حي.
3. الانضباط: أن يبدأ الصائم بشيء يسير قبل الاندفاع نحو الطعام، مما يربي النفس على الهدوء والسكينة.

دقائق كاللؤلؤ والمرجان

إن هذه الدقائق التي تسبق الإفطار والتي تزامنه هي لحظات غالية وثمينة، أكرم الله – تبارك وتعالى – بها الصائم. هي تمر كلمح البصر، ومَن وفَّقه الله فيها فاز بالدرر. إنها سريعة المرور لكنها عظيمة الأثر، فاز من استغلَّها وعرف قدْرها واهتمَّ لها وتَحرَّاها، وحرَص على اقتناصها بقلب حاضر ونفس مطمئنة.

يا لها من خسارة فادحة حين نرى البعض ينفقون هذه الدقائق الغالية في القيل والقال، أو في متابعة ما لا ينفع، بينما أبواب السماء مفتوحة، ورحمات الله تتنزل. إنها لحظات لا تُقدر بثمن، وما أرخص ما يُنفِق البعضُ فيه وقتَه في هذه الساعة المباركة!

روضة الإفطار: حيث تتجلى الرحمة

تُسمى هذه الساعة “روضة الإفطار”؛ لأن فيها يتجلَّى كرمُ الله – تبارك وتعالى – وتنزل رحمته بعباده. في هذه الروضة:

  • يُغدِق الله فضله: على الصائمين بما جعل فيها من إجابة الدعوة.
  • انشراح الصدر: يشعر الصائم براحة نفسية عجيبة بتمام المنة وكمال النعمة وقضاء المهمة.
  • توفيق ذي المنة: يشكر العبد ربه أن أعانه على صيام يوم كامل، ووفقه للقيام بهذه الطاعة العظيمة.

ساعة الإفطار أو دقائقه، بل لحظات الإفطار هذه غاليات، يَنشغِل عنها البعض وما ينبغي، ويتجاهَلها البعض ولا يَصِح، ولا يدري عنها البعض وليت شعري كم من الخير فات الجميع! إن القلب ليحزن حين نرى من يعرف قدر هذه الساعة ثم يشغله عنها غيرها، فكيف إذا كان انشغالهم بما فيه خسارة لهم من غيبة أو نميمة أو لهو باطل؟

العلامة الفاصلة والفرحة الموعودة

روضة ساعة الإفطار هي علامة فاصلة بين الخروج من طاعة (الصيام) بعد التمام والكمال، والدخول في ساعات مليئة بالقُرب والطاعات (القيام والذكر). يُكرِم الله – تبارك وتعالى – في هذه اللحظات من أتمَّ صومَه دون فسقٍ أو تضييع لحدٍّ بأن يستجيب دعوته ويشرح صدره.

للصائم فرحتان، وهذه اللحظة هي إحداهما. فرحة بتمام الصيام، وفرحة بالرزق الحلال، وفرحة بالدعاء المستجاب؛ إذ للصائم دعوة لا تُرد عند فطره. فكيف يفرط عاقل في دعوة مستجابة من ملك الملوك؟

التحذير من الغبن والضياع

يا خسارة مَن فرَّط وكان بإمكانه! وندامة مَن ضيَّع والكنز بين يديه. إن التفريط في السهل الممكن يجعله مستحيلاً مع مرور الوقت، والمسألة تكمن في تَعوُّد النفس على تعظيم شعائر الله والحرص على أوقات الفضل. قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10].

من الغَبن الفاحش أن تبيع الغالي بالرخيص، وأشد منه غَبْنًا أن تبيع الدرر بلا ثمن. إن هدر أثمن اللحظات بضحكات فارغة، أو كلمات لا طائل منها، أو ربما في حرام من غِيبة ونميمة وكذِب وبهتان، هو عين الخسران في شهر الغفران.

ثواني الإفطار: توقف وانطلاق

يجب أن ننظر إلى ثواني الإفطار على أنها محطة:
1. توقُّف: عن طاعة امتدت طوال النهار (الإمساك).
2. انطلاق: نحو طاعات تملأ الليل من قراءة وذِكْر وقيام ودعاء وسحور.

لذا كان الفرح في هذه اللحظات فرحاً بالتمام والانتهاء، وفرحاً ببداية برنامج إيماني جديد؛ فيوم الصائم وليله طاعات متتابعات لا تنقطع. إنها محطَّة تزوُّد، وإشارة توقُّف لتجديد السير وتغيير النشاط؛ فالنفس تَمَل وتَميل إلى التجديد، وهذا التنقل بين أنواع العبادات يجدد الإيمان في القلوب.

مسك الختام ودعاء اللحظة

في هذه اللحظات الغالية يذهب الظمأ، وتبتل العروق ويثبت الأجر إن شاء الله. هي لحظات اعتراف بالعبودية لله، وإقرار بالفقر إليه سبحانه.

اللهم بك آمنا، ولك صمنا، وعلى طاعتك أفطرنا، ولنبيك اتبعنا، فاغفر ذنوبنا، وارحم ضعْفنا، وتولَّ أمرنا، وبارِك لنا فيما رزقتنا. اللهم اجعلنا ممن عرف قدر هذه الساعات فاستغلها، وممن أدرك فضل هذه اللحظات فاقتنصها. نسألك يا ربنا أن تجعل صيامنا مقبولاً، وذنبنا مغفوراً، ودعاءنا عند فطرنا مستجاباً يا أكرم الأكرمين.

إن استغلال ساعة الإفطار هو مفتاح لليلة إيمانية عامرة، فمن أحسن البداية في فطره، وُفق بإذن الله لحسن الختام في قيامه وسحوره. فلنحرص على أن نكون من “أحب العباد” إلى الله، بتعجيل فطرنا، وحفظ لساننا، ورفع أكف الضراعة إلى خالقنا في تلك الروضة المباركة.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *