فضل شهر شعبان: بوابتك الذهبية لاستقبال رمضان وأسرار الصيام فيه

مقدمة: شعبان.. نسائم رمضان التي تلوح في الأفق

الحمد لله الذي جعل في تعاقب الأيام والشهور مواسم للطاعات، ومحطات للتزود من الخيرات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد الذي كان أحرص الناس على اغتنام الأوقات، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله، إننا اليوم في ظلال شهر عظيم، وموسم كريم، هو شهر شعبان؛ ذلك الشهر الذي يغفل عنه الكثيرون رغم عظم مكانته عند رب العالمين. إنه الشهر الموطئ لشهر رمضان، والمقدمة الإيمانية التي تهيئ النفوس لاستقبال شهر الصيام. لقد أدرك السلف الصالح -رحمهم الله- قيمة هذا الشهر، فكانوا إذا دخل شعبان أكبوا على المصاحف فقرؤوها، وأخرجوا زكاة أموالهم؛ تقوية للضعيف والمسكين على صيام رمضان، فكان شعبان بالنسبة لهم هو معسكر التدريب الإيماني المكثف قبل المعركة الكبرى مع النفس في رمضان.

الحكمة من تعظيم شهر شعبان

لماذا كل هذا الاهتمام بشهر شعبان؟ ولماذا كان النبي ﷺ يخصه بمزيد من العبادة؟ إن الإجابة تتجلى في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما حين سأل النبي ﷺ قائلاً: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ فكان الجواب النبوي الشافي: «ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفَلُ النَّاسُ عَنْهُ، بَيْنَ رَجَبَ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ، عَزَّ وَجَلَّ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» (رواه أحمد والنسائي، وحسنه الألباني).

في هذا الحديث إشارات عظيمة:
1. اغتنام أوقات الغفلة: إن العبادة في وقت غفلة الناس لها أجر عظيم، لأنها تدل على إخلاص العبد وتعلقه بربه حين ينشغل الآخرون بالدنيا.
2. رفع الأعمال السنوي: إذا كان هناك عرض أسبوعي للأعمال يومي الاثنين والخميس، فإن شعبان هو موعد العرض السنوي الشامل على الله عز وجل، فأكرم بها من خاتمة لعامك أن ترفع أعمالك وأنت في حالة طاعة وصيام.
3. التهيئة النفسية والبدنية: إن صيام شعبان يمرن البدن على الصيام، ويهيئ النفس لمشقة الجوع والعطش، حتى إذا دخل رمضان دخلت عليه النفس وهي مشتاقة مستعدة، لا مستثقلة نافرة.

سنة النبي ﷺ في صيام شعبان

لقد كان الصيام في شعبان ديدن النبي ﷺ وسنته الثابتة. تروي لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فتقول: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ» (رواه البخاري ومسلم). وفي رواية أخرى: «كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ». كما أكدت أم سلمة رضي الله عنها هذا المعنى بقولها: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ» (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني).

إن صيام شعبان بالنسبة لرمضان يشبه السنن الرواتب بالنسبة للصلوات المفروضة؛ فهي تجبر النقص وتكمل الفضل وتزيد القرب من الله. فصيام ما قبل رمضان (شعبان) وصيام ما بعده (ست من شوال) يحيط بالفريضة إحاطة السوار بالمعصم، مما يرفع درجة الصائم عند ربه.

ليلة النصف من شعبان: بين الحقيقة والبدعة

عباد الله، إن ليلة النصف من شعبان ليلة عظيمة، لكنها للأسف أحيطت بالكثير من المحدثات والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان. لقد اشتهر بين الناس تخصيص يومها بالصيام وليلها بالقيام والاحتفالات وتزيين البيوت، استناداً إلى أحاديث ضعيفة لا تصح.

يجب أن نعلم أن العبادة مبناها على الاتباع لا الابتداع، ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن صحابته الكرام أنهم خصوا هذه الليلة بطقوس معينة. ومن صام يوم النصف بنية أنه من أيام شعبان الفاضلة، أو بنية أنه من الأيام البيض، فنعم ما فعل. أما تخصيصه لاعتقاد فضل خاص في صيام هذا اليوم بعينه دون غيره، فهذا من الأمور المحدثة.

أما ما صح في فضلها، فهو ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ قال: «يَطَّلِعُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا لِمُشْركٍ، أَوْ مُشَاحِنٍ». وفي رواية أخرى: «إِلَّا لِاثْنَيْنِ مُشَاحِنٍ وَقَاتِلِ نَفْسٍ».

تأملوا يا عباد الله، المغفرة في هذه الليلة لم ترتبط بصلاة ألفية ولا باحتفالات، بل ارتبطت بأمرين عظيمين:
1. التوحيد الخالص: براءة العبد من الشرك.
2. سلامة الصدر: تطهير القلب من الأحقاد والضغائن.

التحذير من الشحناء والخصومة

إن الشحناء هي القاطع للطريق إلى مغفرة الله. والمشاحن هو الذي يحمل في قلبه عداوة وحقداً على إخوانه المسلمين لغير سبب شرعي. وقد حذر النبي ﷺ من ذلك في مواضع شتى، منها قوله: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» (رواه مسلم).

وأعظم أنواع الشحناء التي تحجب العبد عن رحمة الله هي تلك التي تضمرها الأنفس الخبيثة لصحابة رسول الله ﷺ، كالروافض الذين يشحنون قلوبهم بالغل على أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة ومعاوية رضي الله عنهم أجمعين. وكذلك من يحمل الشحناء على علماء الأمة وسلفها، وولاة أمر المسلمين، وعموم المؤمنين. إن سلامة الصدر هي ركيزة الإيمان، ففتش في قلبك يا عبد الله، وطهره من كل غل قبل أن يرفع عملك.

الحذر من الشرك وصوره المعاصرة

إذا كانت المغفرة مشروطة بترك الشرك، فلا يظنن أحد أنه في مأمن منه. إن إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام، الذي كسر الأصنام بيده، كان يدعو ربه قائلاً: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}. قال إبراهيم التيمي رحمه الله: “ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟”.

إن الشرك ليس مجرد سجود لصنم، بل له صور خفية حذر منها النبي ﷺ:

  • الرياء (الشرك الأصغر): قال ﷺ: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ»، فسئل عنه؟ فقال: «الرِّيَاءُ».
  • شرك المحبة والتعلق: وهو أن يقدم العبد محبوبات نفسه على محبوبات الله، ومن ذلك ما نراه اليوم من تعصب رياضي أعمى، حيث يقدم البعض ولاءه لانديته على فرائض ربه وقيم دينه، فيوالي ويعادي من أجل كرة.
  • عبادة الدنيا: الاستغراق في جمع المال حتى يصبح هو المحرك والهدف، وفي الحديث: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ… إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ» (رواه البخاري).

خاتمة: نداء للمسارعة قبل فوات الأوان

يا عباد الله، إن شعبان فرصة للتصحيح، ومحطة للتنقية. لا تفرطوا في صيام ما تستطيعون من أيامه، وأقبلوا على القرآن، وطهروا بيوتكم من المنكرات، وقلوبكم من الشرك والشحناء. تذكروا أن الأيام تمضي سريعاً، وأن رمضان على الأبواب، فمن لم يزرع في شعبان، كيف له أن يحصد في رمضان؟

اللهم بارك لنا في شعبان، وبلغنا رمضان، واجعلنا فيه من الصائمين القائمين المقبولين. اللهم طهر قلوبنا من الشرك والغل والحقد، وأصلح ذات بيننا، وتوفنا وأنت راضٍ عنا.

هذا ما تيسر بيانه، والحمد لله رب العالمين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *