فضل شهر شعبان: دليل المسلم لاتباع السنة واجتناب البدع

مقدمة: كمال الشريعة ووجوب الاتباع

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعلنا من أمة خير الأنام. إن الله جل وعلا شرع لعباده شريعة غراء كاملة، لا نقص فيها ولا خلل، قال سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3]. ومن كمال هذا الدين أن وجهنا الله فيه إلى إخلاص العمل له وحده، ومتابعة نبيه المصطفى ﷺ في كل صغير وكبير، فقال عز وجل: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ..} [البينة: 5].

إن سعادة العبد في الدنيا والآخرة مرهونة باقتفاء أثر الرسول ﷺ، وعدم الحيد عن صراطه المستقيم، فكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف. وقد حذرنا الله سبحانه من السبل المتفرقة التي تضل عن سبيله، فقال: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]. وأمرنا بالطاعة المطلقة لرسوله الكريم فقال: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

شعبان: الشهر الذي يغفل عنه الناس

نحن الآن نعيش في ظلال شهر كريم، هو شهر شعبان، هذا الشهر الذي يقع بين شهرين عظيمين؛ شهر رجب الحرام وشهر رمضان المبارك. ولأن الناس ينشغلون برجب لكونه شهراً حراماً، ويستعدون لرمضان لكونه شهر الصيام، فقد يغفل الكثيرون عن فضل شهر شعبان ومكانته.

لقد كان نبينا ﷺ يولي هذا الشهر اهتماماً خاصاً، فعن أسامة بن زيد – رضي الله عنهما – قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم في شعبان، قال – صلى الله عليه وسلم -: «ذلك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»؛ (رواه النسائي وحسنه الألباني).

إن هذا الحديث العظيم يكشف لنا عن سر من أسرار العبادة في هذا الشهر، وهو اغتنام أوقات الغفلة. فالعبادة في وقت يغفل فيه الناس لها أجر عظيم ومكانة رفيعة عند الله تعالى.

هدي النبي ﷺ في صيام شعبان

لقد ضرب لنا رسول الله ﷺ أروع الأمثلة في استثمار أيام شعبان بالصيام، فكان يكثر منه حتى يظن الرائي أنه سيصومه كله. تروي لنا أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – حال النبي ﷺ في هذا الشهر فتقول: ((لم يكن النبي – صلى الله عليه وسلم – يصوم شهراً أكثر من شعبان، وكان يصوم شعبان كله))؛ رواه البخاري. وفي رواية أخرى لمسلم قالت: (كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم).

وعن عائشة – رضي الله عنها – أيضاً قالت: ((كان أحب الشهور إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يصومه شعبان ثم يصله برمضان))؛ صححه الألب. وهذا الصيام المتتابع في شعبان له حكم جليلة، منها ما ذكره ابن حجر – رحمه الله – في (بلوغ المرام): (وفي الحديث دليل على فضل الصوم في شعبان). كما أشار ابن رجب – رحمه الله – في (سبل السلام) إلى أن صيام النبي ﷺ في شعبان كان يفوق صيامه في أي شهر آخر من شهور السنة.

الحكمة من إكثار الصيام في شعبان

لماذا اختص النبي ﷺ شعبان بهذا القدر من الصيام؟ لقد أوضح العلماء رحمهم الله عدة معانٍ في ذلك:

1. رفع الأعمال إلى الله: كما جاء في الحديث، فإن شعبان هو الموسم السنوي لرفع أعمال العباد إلى رب العالمين. وإذا كانت الأعمال تعرض كل اثنين وخميس، فإن عرضها السنوي يكون في شعبان، فأحب النبي ﷺ أن يوافي هذا العرض وهو في حالة عبادة وصبر، والصيام هو عين الصبر. قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].
2. اغتنام وقت الغفلة: اشتغال الناس برجب ورمضان جعل شعبان مغفولاً عنه، والعبادة في وقت الغفلة أشق على النفس وأخلص لله عز وجل.
3. التمرين والاستعداد لرمضان: صيام شعبان بمثابة التدريب البدني والروحي قبل دخول شهر رمضان. فالمسلم الذي يصوم في شعبان، يعتاد جسده على الجوع والعطش، وتتروض نفسه على الصبر، فإذا دخل رمضان دخل بنشاط وقوة، دون كلفة أو مشقة.

الفوائد البدنية والتربوية لصيام شعبان

لم تقتصر الحكمة في صيام شعبان على الجانب التعبدي فحسب، بل إن له أبعاداً صحية أثبتها العلم الحديث. ففي أيام الصيام الأولى، يبدأ الجسم باستهلاك المخزون الاحتياطي من الدهون والبروتينات، مما يؤدي إلى تدفق بعض السموم في الدم (مثل هرمون الأدرينالين) قبل التخلص منها. هذا التغير قد يسبب الصداع، الوهن، أو تقلب المزاج في البداية.

لذا، فإن صيام شعبان يعمل كفترة انتقالية، حيث تعود نسب الهرمونات إلى وضعها الطبيعي، ويتطهر الجسم من السموم تدريجياً، ليدخل المسلم شهر رمضان وهو في أتم الجاهزية البدنية والنفسية، فلا يضيع أيامه الأولى في التعب والخمول، بل ينطلق في الطاعات من أول ليلة.

التحذير من البدع والمحدثات في شعبان

يا عباد الله، إن الشيطان يحرص على صرف الناس عن السنة الصحيحة إلى البدع المحدثة. وفي شهر شعبان، نرى الكثير من الأخطاء التي تقع بسبب الجهل بالشرع أو اتباع دعاة البدع الذين يروجون لأمور لم يشرعها الله، خاصة عبر وسائل التواصل والإنترنت.

إن القاعدة الذهبية في العبادات هي أنها “توقيفية”، أي لا يجوز لنا أن نعبد الله إلا بما شرع، ومبناها على الاتباع لا الابتداع. ومن أعظم ما أحدثه الناس في هذا الشهر هو تخصيص ليلة النصف من شعبان باحتفالات أو عبادات معينة.

لقد حذرنا النبي ﷺ من الإحداث في الدين فقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة»؛ (رواه الترمذي). وقال أيضاً: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»؛ متفق عليه.

ليلة النصف من شعبان: بين السنة والبدعة

يعتقد الكثير من الناس أن ليلة النصف من شعبان لها فضل خاص يستوجب قيام ليلها وصيام نهارها بشكل مخصوص، ولكن الحقيقة الشرعية التي قررها المحققون من أهل العلم هي:

  • عدم ثبوت الأحاديث: الأحاديث الواردة في فضل تخصيص هذه الليلة بعبادة كلها ضعيفة أو موضوعة. وقد نبه الحافظ ابن رجب في (لطائف المعارف) وغيره إلى أن الاحتفال بها بدعة لا أصل لها في عمل النبي ﷺ ولا صحابته ولا التابعين.
  • بطلان التشبيه بليلة القدر: يزعم البعض أن ليلة النصف من شعبان هي الليلة التي تقدر فيها الأرزاق والآجال، وهذا باطل باتفاق المحققين. فالقرآن صريح في أن ليلة القدر هي ليلة نزول القرآن وهي في رمضان، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]، وقال: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1].

نماذج من البدع المنكرة في ليلة النصف

يجب على كل مسلم غيور على دينه أن يتجنب هذه المحدثات:

1. الصلاة الألفية: وهي صلاة مائة ركعة يقرأ في كل ركعة سورة الإخلاص عشر مرات. قال العلامة الشوكاني في (الفوائد المجموعة) إن حديثها موضوع مكذوب.
2. تخصيص الصيام والقيام: بناءً على حديث «إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها»، وهو حديث لا أصل له.
3. قراءة سورة يس ودعاء النصف: تخصيص سورة يس أو دعاء معين يسمى “دعاء ليلة النصف”، وربما اشترطوا له شروطاً مخترعة، كل هذا من البدع المنكرة. قال الإمام النووي – رحمه الله -: (صلاة رجب، وهي صلاة الرغائب، وصلاة شعبان بدعتان منكرتان قبيحتان).
4. الاحتفالات والذبائح: الاجتماع لإنشاد القصائد أو إعداد أطعمة معينة باعتقاد أنها سنة في هذه الليلة هو تشريع لم يأذن به الله، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].

خاتمة ووصايا للمسلمين

عباد الله، احرصوا على أن تعبدوا الله بما شرع، وتفقهوا في دينكم، واجتهدوا في تعلم سنة نبيكم ﷺ، ففي ذلك النجاة والخير في الدنيا والآخرة. إن البدع ضلالات لا تزيد العبد من الله إلا بُعداً، فاحذروا من الأفكار الضالة، واحموا أنفسكم وأبناءكم من المحدثات.

علينا جميعاً التعاون مع ولاة الأمر والأجهزة المختصة لحماية مجتمعنا من الفكر المنحرف، ولنكن يداً واحدة في التمسك بالكتاب والسنة. نسأل الله تعالى أن يوفقنا لكل خير، وأن يعيننا على الصيام والقيام واتباع سيد الأنام، وأن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين. وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى، فقد أمركم الله بذلك فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب: ٥٦]. والحمد لله رب العالمين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *