فقه البلاغ في زمن الصخب: مراجعات منهجية في أدوار المصلحين الرقمية

إنّ من أعظمِ الرُّتَب التي يتبوّأها العبد المسلم في حياته، هي رتبة الدلالة على الله، والقيام بمقامِ الوعظ والتعليم والإرشاد؛ فهي وظيفةُ الأنبياء، وإرثُ الأصفياء، وعملٌ شريفٌ لا يضاهيه في الفضلِ عمل. غيرَ أنّ هذا الطريق المحفوف بالأنوار لا يخلو من عوائق ومزالق، لاسيما في عصرنا الراهن الذي هيمنت فيه وسائل التواصل الاجتماعي على المشهدِ العام، وتحوّلت فيه هذه الوسائل من مجردِ أدواتٍ لنقلِ المعرفة إلى بيئاتٍ ضاغطة تُملي على المتصدرِ فيها أنماطاً سلوكيةً وفكريةً قد تخرجه عن جادة التوازنِ والاعتدال.

فخ التواجد الدائم وهمُّ الاستجابة للحدث

أصبح الحضور المستمر على منصات التواصل الاجتماعي، لاسيما لمن تصدّر لتعليم الناس أو وعظهم، يمثّل عبئاً ثقيلاً ينوء به الكاهل. فالمتصدّر اليوم يجد نفسه محاصراً بتوقعاتِ المتابعين، وتحت وطأة التعليق المستمر على كل شاردةٍ وواردة. هذا الاندفاع ليس مجرد اختيار شخصي في كثير من الأحيان، بل هو نتاج شعورٍ داخلي واهم بأنّ واجبَ الإصلاح يقتضي الحضور في قلب كل “ترند” أو حدثٍ عابر.

إنّ هذا الشعور بالمسؤولية، وإن كان دافعه نبيلاً في أصله، إلا أنه قد ينقلب إلى ضده. فالدور الإصلاحي لا يعني بالضرورة أن يكون المصلح “صدىً” لكل صوت، أو “ردّ فعل” لكل فعل. إنّ حصر العمل الدعوي في دائرة الاستجابة الفورية للأحداث اليومية يجعلُ العقلَ في حالةِ استنفارٍ دائم، ويصرفُ الجهد عن البناءِ المعرفي والإيماني الرصين إلى معارك جانبية وتعليقاتٍ مقتضبة قد لا تُسمن ولا تغني من جوع.

معضلة الإحاطة وتحدي القول بالعدل والحكمة

إنّ السؤال الجوهري الذي يجب أن يطرحه كل مصلحٍ على نفسه: من ذا الذي يطيق أن يتكلم بعلمٍ وعدلٍ وحكمة في كل حدث وموقف؟ إنّ الشريعة الغراء قامت على أركانٍ متينة من التثبت والعدل، والقول بلا علمٍ هو من أكبرِ الكبائر. وفي عالمنا المعاصر، تعقدت القضايا وتداخلت المعلومات، ولم تعد الأحداث بسيطةً يمكن الحكم عليها بظاهرها فحسب.

  • وفرة المعلومات وتداخلها: نعيش في عصرِ الانفجار المعلوماتي، حيث تتداخل الأبعاد السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والنفسية في الحادثة الواحدة.
  • تعقيد المآلات: إنّ الكلمة التي تُقال اليوم قد يكون لها مآلاتٌ بعيدة المدى لم تكن في حسبانِ قائلها، والإحاطة برتبة الحدث ومآله تتطلبُ نظراً ثاقباً وفكراً مستوعباً.
  • ضرورة التأنّي والمشورة: أمام هذا التعقيد، يصبح التأنّي واجباً شرعياً وعقلياً. فالعاقل هو من لا يسبقُ لسانُه عقلَه، ومن يدرك أنّ الصمت في مواطنِ الحيرة قد يكون هو الموقف الأكثر نضجاً ونجاة.

إنّ ادعاء القدرة على الإدلاء بدلوٍ في كل قضية هو نوعٌ من المجازفة غير المحمودة، وهو يقدحُ في رزانة المتكلم قبل أن يقدح في مضمون كلامه. فالفرق شاسعٌ بين من يتكلم ليُقال إنه تكلّم، وبين من يتكلم لِيُبين الحقَّ في موضعِه المناسب.

التحفز المستمر ومفاسد الانغماس الرقمي

إنّ حالة “التحفز المستمر” للتعليق على كل حدث، ظناً بأنّ هذا هو جوهر الدعوة، تفضي إلى جملة من المفاسد التي قد تدمّر البناء النفسي والمعرفي للداعية والمصلح، ومن أبرز هذه المفاسد:

1. الاستنزاف النفسي والعصبي: الوقوع تحت رحمة انتظار المتابعين لرأيك، والضغط النفسي لتلبية تطلعات الجمهور، يجعل الإنسان يعيش في حالة من القلق الدائم، مما يفقده السكينة والوقار المطلوبين لطالب العلم والمصلح.
2. فقدان التوازن العقلي والرزانة: إنّ كثرة الكلام في غير فنّ الشخص، أو فيما لم يحط به خبراً، تؤدي تدريجياً إلى تشتت الذهن وفقدان القدرة على النقد الموضوعي، حيث يصبح المتحدث أسيرَ الانطباعات السريعة بدلاً من الحقائق الراسخة.
3. الانجرار إلى قضايا غريبة: قد يجد المصلح نفسه منخرطاً في نقاشاتٍ وقضايا ليس منها في شيء، ولا تخدم رسالته الأساسية، مما يجعله يفقد هويته العلمية والدعوية في خضمِ الصراعات الهامشية.
4. تلاشي جودة المخرج الدعوي: عندما يصبح التركيز على “الكم” و “السرعة” في التعليق، تنخفض بالضرورة جودة المحتوى المقدّم، ويصبح الكلامُ مكرراً أو سطحياً، مما يضعف ثقة الناس في قدرة المصلحين على تقديم حلولٍ حقيقية وعميقة.

ضرورة التقاط الأنفاس والتزود المعرفي والإيماني

إننا جميعاً، بلا استثناء، نحتاج في ظل هذا التسارع الرقمي المحموم إلى وقفة مع النفس، وإلى “التقاط الأنفاس”. إنّ الدلالة على الخير ليست مجرد تدفقٍ للمعلومات، بل هي فيضٌ من نورِ القلب ورسوخِ العقل، وهذا لا يتأتى إلا بالتزود المستمر والرجوع إلى الأصول.

يتحتم على المتصدرين للناس أن يدركوا أهمية “الانقطاع المؤقت” عن وسائل التواصل الاجتماعي. إنّ هذه العزلة الواعية تتيح للمرء مراجعةَ أولوياته، وتجديدَ إخلاصه، وإعادةَ شحن طاقاته الإيمانية والعلمية. فالمصلح الذي لا يملك وقتاً للقراءة العميقة، والتأمل الهادئ، والذكر الخالي، سينضبُ معينه عما قريب، وسيتحول إلى آلةٍ ترددُ شعاراتٍ جوفاء.

المشورة الواعية والاعتصام من آفات اللسان

من الركائز الأساسية للنجاة في هذا الفضاء المضطرب، المحافظة على مشورة الإخوة الصادقين والعقلاء. ونقصد هنا أولئك الذين لم تغمرهم دوامات وسائل التواصل، ولم تستهوِهم أضواؤها الزائفة؛ فهم الأقدر على رؤية الصورة من الخارج، وتقديم النصح المجرد من الهوى أو الرغبة في الظهور. إنّ هؤلاء الإخوة يمثلون “صمام أمان” يمنع المصلح من الانزلاق في منحدرات القول بغير علم أو التحفز غير المنضبط.

كما يجب علينا جميعاً أن نصدق اللجوء إلى الله تعالى، وأن نستعيذ به من فتنة “القيل والقال”، وضياعِ الوقت فيما لا ينفع. إنّ كثرة الكلام في الأحداث دون حاجةٍ شرعية أو فائدةٍ مرجوة تورثُ قسوةً في القلب، وتشتتاً في الهمّ.

خاتمة وتضرع

إنّ الغاية من الوجود هي عبادة الله ودلالة الخلق عليه، وهذه الغاية لا تتحقق بالتصدر الأجوف أو بالمنافسة على سرعة التعليق. بل تتحقق بصدقِ التوجه، وعمقِ العلم، وسلامةِ المنهج. إننا بحاجة إلى أن نراجع أنفسنا في كل كلمة نكتبها أو نقولها: هل هي لله؟ وهل هي بعلم؟ وهل تحقق مصلحةً شرعية معتبرة؟

نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، ومولانا الذي بيده مقاليد الأمور، أن يُصلح لنا شأننا كله. نسأله سبحانه أن يرزقنا الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأن يُدخلنا مُدخل صدقٍ ويخرجنا مخرج صدق، وأن يُنزلنا منزلاً مباركاً وهو خير المنزلين. كما نبتهل إليه أن يعصمنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأن يجعل عملنا كله صالحاً، ولوجهه خالصاً، ولا يجعل لأحدٍ فيه شيئاً. نعوذ بالله من الخذلان، ومن فتنة القول، ومن ضلال العمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *